arenfrfaestr

حوار مع المؤلف الموسيقي الفرنسي أوليفَيه ميسيان حول طريقته في التأليف (بتصرف)

عبد العزيز ابن عبد الجليل


التعريف بميسيان:
أوليفيه ميسيان Olivier Messiaen (1908- 1992)‏ مؤلف موسيقي فرنسًي، وعازف أرغن وأخصائي في علم الطيور, وهو واحد من كبار الملحنين في القرن العشرين.
شغل منصب أستاذ للتكوين في المعهد الموسيقي بباريس عام 1966، واستمر في هذه الوظيفة حتى تقاعده عام 1978. وقد تخرج على يده العديد من التلاميذ المتميزين مثل بيير بوليز Pierre Boulez وكارلهاينز شتوكهاوزن Karlheinz Stockhausen.
اشتهر بأسفاره ورحلاته المتعددة، وكتب العديد من الأعمال المستوحاة من الطبيعة ومناظرها، ومن تأثيرات موسيقية متنوعة مثل الموسيقى اليابانية، وزغاريد الطيور، وفق أسلوب جديد في التأليف سمته البارزة التعقيد الإيقاعي.
الحوار:
- تسألني عن طريقتي في العمل؛ 
الحقيقة أنها تتنوع بتنوع أنواع التأليف، بل وحتى مع كل عمل على حدة. وبصفة عامة، فأنا أطيل التفكير قبل أن أقدم على الكتابة، وقد يحدث - من أجل أن أكتب لحنا موسيقيا - أن يمتد تفكيري لعدة أشهر، بل لعدة سنوات في بعض الأحيان، فلا أجلس إلى مكتبي إلا عندما تتوافر بين يدي أدوات العمل الكافية، وبعبارة أخرى، فأنا لا أتكلم إلا إذا كان لدي شيء أقوله. خذ مثلا: "تورانكَاليلا - سمفوني Turangalîla-Symphonie. هذه السمفونية التي جرى عرضها الأول في بوسطن في ديسمبر 1949، لقد كانت موضوع أحلامي لخمسة أعوام متواصلة، ثم كتبتها في سنة ونصف سنة.

[1]Henri Gaubert. Revue Musica Pub mensuelle, imp Chaix St. Paris No 48  mars 1958 pp 6-8.  


هناك أعمال أكتبها وأنا جالس إلى المنضدة، وأخرى أؤلفها على البيانو، فالأمر هنا يتعلق بالطبيعة الهارمونية أو الطباقية (كونترابنطية) للعمل الموسيقي. أما الأعمال ذات الطابع الإيقاعي فيحلو لي أن أفكر فيها في حالة المشي.
- كنت أتوقع أن تسألني عن أعمالي الموسيقية القائمة على تغريد الطيور. 
لقد قادتني هذه الأعمال إلى جهات كثيرة من بلادنا. وكم أنا سعيد بالاطلاع على التنوع الطبيعي لهذه الجهات. لقد استبد هذا الموضوع باهتمامي، فأصبحت من فرط تقصياتي لهذه "المصادر الموسيقية" على وشك أن ألم بسائر مساكن الطيور في فرنسا بأنواعها: أطراف الغابات، ومزارع الكرم، وحقول الزرع، والجبال العالية، وشواطئ البحار، ومناطق المستنقعات. وكنت أختار بقع الاستماع بكثير من العناية، كما أختار الفصول والساعات المناسبة، وأهم ما دونته من أغاريد الطيور تلك التي التقطتها في فصول الربيع ما بين الخامسة والثامنة صباحا، وبين السادسة مساء والتاسعة ليلا. 
- أما طريقتي في التدوين، فهي بسيطة: 
أترصد الطيور المثيرة للاهتمام، بواسطة العين المجردة أو بمنظار بعيد المدى، وبسرعة أميّز الطير الذي يهمني عن طريق ريشه أو صنف غنائه، فأكتب العلامات الموسيقية على ورق التدوين الذي بين يدي؛ وهذا بالتأكيد عمل يستلزم السرعة، غير أن الطيور - لحسن الحظ - غالبا ما تُرَجِّع ألحانها مرارا وتكرارا. وبعد عودتي إلى البيت، أشرع في لملمة ما سجلته في مذكرتي، وأتمثل المشهد من جديد، وأقابل بين الأغاني التي دونتها، بغية صياغتها في قالب موسيقي هو أقرب إلى صورتها الأصلية. أما أصعب شيء في هذه العملية فهو إبراز الجرس الموسيقي عن طريق تركيبات آلية، أو بعبارة أدق، تركيبات صوتية، وذلك برفع عدد التوافقات النغمية أو تقليصه. وكمثال على هذا أذكر واحدة من أهم معزوفاتي على البيانو: "الهازجة" (جنس طير صغير أغبر من فصيلة الدخليات يعيش بين القصب)La Rousserole effarvatte التي يستغرق اداؤها خمسا وعشرين دقيقة. فمن أجل تجميع عناصر هذه المعزوفة، كان عليَّ أن أخصص لها خمس "إقامات" تستغرق كل واحدة منها خمسة عشر يوما، قضَّيْتها في منطقة كولونيا حيث غابات "المنطقة الوسطى – وادي اللوار" Région Centre-Val de Loir على حافة البرك المغطاة بالقصب. وبطبيعة الحال، فقد كانت صنوف أخرى من طيور البرك والحقول والغابات تتحرك حول "طائر الهازجة" الذي هو الشخصية المحورية، فضلا عن جوقة الضفادع، كما أضفيت على البرك لون شروق الشمس وغروبها. 
- وتسألني عن موسيقى الطقوس الدينية. 
دعني أقول لك: أنا لا أومن بما يسمى"الموسيقى الدينية". فوجود الخالق في كل شيء يقتضي أن يكون الأسلوب الذي يتعامل مع الموضوعات اللاهوتية قابلا للتنوع، إضافة إلى أن الكثلكة عبارة عن حكاية خيالية، مع فارق أن كل شيء فيها صحيح، إذ لا شيء في الوجود هو أكثر سحرًا من دقة الحركة وخفتها ومن قوة الأجسام المجيدة ووضوحها، هذه الصفات التي هي في الواقع من أقسام العقيدة الدينية. وأنا أيضا ألفت في هذا الموضوع "الأجسام المجيدة"، في سبعة فصول لآلة الأرغن تحكي "يوم الحشر". وبصفة عامة، فأنا حينما أنطلق من معطى عقدي ألفه بتأملات موسيقية.
- وتسألني عن أوقات عملي. 
فأنا ليس لي وقت محدد للعمل، غير أنني لا أجمع أبدًا بين عملين. وخلال السنة الدراسية يندر أن أجد فراغا أمام زحمة مهامي كعازف على الأرغن ومعلم في معهد الموسيقى بباريس؛ لذلك فأنا أشتغل بشكل أساسي خلال فصل الصيف. 
إنها مهمة خاصة جدا هذه التي أسندت إلي في المعهد، مهمة التحليل الموسيقي، إذ علي أن أدرس مع طلبتي سائر الأنماط الموسيقية، بدءا بالموسيقى العتيقة، وانتقالا إلى الكلاسيكية، والرومانسية، والمعاصرة، وفائقة الحداثة. وعلينا أيضا أن نتناول بالتحليل المدونات الموسيقية في مختلف جوانبها الشكلية والميلودية والهارمونية والأوركسترالية ثم بخاصة الإيقاعية. وبحكم تخصصي في الإيقاع، فإننا نقف طويلا عند مفاهيمه كالزمن، ومداه، وفلسفته، وهكذا ترى أن برامج هذا القسم في غاية التنوع وأننا نحقق فيه ما لا يملك أساتذة التأليف الموسيقي الوقت الكافي لإنجازه. 
أنا لا أتحدث أبدا عن مؤلفاتي، ولولا شديد إلحاحك ورغبتك في إفادة قراء المجلة لما رفعت الحجب عن طريقتي في العمل. 
 

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الجمعة, 15 كانون2/يناير 2021 20:43
مجلة الموسيقى العربية

مجله موسيقيه تصدر عن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تكشف الذائقة الموسيقية للفرد طبيعة شخصيته؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM