arenfrfaestr

إبداع المؤلف الموسيقي بين الأصالة والمعاصرة

(انعكاس النشأة والتعليم على الأسلوبية الموسيقية: محمد عبد الوهاب نموذجا)

حنان الغربي[1]

إنّ إشكال "الأصالة والمعاصرة" مطروح في حياتنا الثقافية، منذ أن أصابتنا تلك الصدمة الحضارية التي تولدت عن احتكاكنا المباشر بالغرب في أوائل القرن التاسع عشر. هذا القرن الذي حمل معه مواجهة حضارية شاملة، كان لا بدّ أن تحدث بعد أن جاءت أوروبا إلى بلادنا حاملة معها كل نواتج نهضتها الحديثة من علم نظري وثقافة عقلانية وأسلحة متفوقة ونهم شديد إلى التوسع والسيطرة على أسواق العالم.

آنذاك وجد العقل العربي نفسه أمام التساؤل عن الموقف الذي يتخذه أمام هذه المواجهة:

  • هل يحتمي بتاريخه وتراثه الماضي ويتخذ منه درعا،
  • أم يتقبل التيار الجديد الذي يمكن أن يكسبه نصيبا من التقدم والتفوق اللذين حققتهما الحضارة الأوروبية

وفي ضوء ما تقدّم، كانت طريقة طرح الموضوع تتخذ عادة شكل الاختيار بين ثلاثة بدائل: اختيار الأصالة أو اختيار المعاصرة أو محاولة التوفيق بينهما.  وهو طرح يثير إشكالات تزيد من تعقيد القضية وتجعل الوصول إلى رأي حاسم أمرًا يكاد يكون مستحيلا خاصة وأنه ليس في استطاعة مجتمع ما أن يختار عدم العيش في عصره. إن عصرنا مفروض علينا، لذلك فإن صيغة الاختيار بين الأصالة والمعاصرة تعبر عن خلل في علاقتنا بالزمن وبالتاريخ.

وهذا يجعلنا نقرّ بضرورة تبنّي صيغة أخرى قوامها ابتكار الحلول واستنباط الأفكار الخلاقة وإبداع الجديد من خلال تجديد القديم باستقرائه والاستئناس به عوض القطع معه.

وكباحثة في مجال الموسيقى والعلوم الموسيقية أقرّ بأنّه يصعب على الباحث الموسيقي العربي الحديث عن التطورات التي شهدتها الموسيقى العربية في القرن العشرين دون التوقف عند البصمة الفنية التي أحدثها محمد عبد الوهاب. فهو يمثل شخصية أثارت الكثير من الجدل وألهمت ولا زالت تلهم العديد من الباحثين لخوض البحث فيها.

ولعل أسلوبيته الموسيقية المطارحة بين الأصالة والتجديد، من أهم المباحث وأثراها على الإطلاق.

إشكالية البحث:

يتنزل بحثنا هذا في إطار طرح لأسلوبية محمد عبد الوهاب الموسيقية، وذلك بالتحديد من خلال تسليط الضوء على إشكالية الأصالة والتجديد فيها.

لذا، نقف عند العديد من الفرضيات ونسوق أكثرها إشكالية:

  • ما هي المؤثرات الرئيسية التي مثلت القاعدة الأساسية لمنطلقات عبد الوهاب؟
  • هل انعكست على ألحانه فيما بعد؟
  • هل اتخذ في موسيقاه مأخذًا وصل به القديم بالجديد؟ أم أنه اتخذ منهجية ذات بعد أحادي الجانب: إما التقليد التام وإما التجديد التام؟

وفي هذا الإطار، نذكر بأن عبد الوهاب يعد ظاهرة موسيقية قائمة بذاتها ومتنوعة المعالم، ما أتاح لنا ولمن سبقنا من الباحثين إمكانية تناول أعماله من جوانب متعددة ومختلفة.

وسنحاول نحن تناول الأثر الفني لهذه الشخصية الموسيقية المعقدة من باب يبرز لنا قدر الإمكان مدى التلازم الموجود فيه بين عنصري الأصالة والتجديد (أو المعاصرة)؛ كمنهاج اتخذه هذا الملحن وخلق من خلاله بصمة فريدة في عالم التلحين استطاع بها ومن خلالها أن يكون مدرسة تتلمذ ولا زال يتتلمذ عليها الملحنون العرب.

لذلك، فإن مضمار بحثنا هو الأسلوبية الموسيقية لمحمد عبد الوهاب. والأسلوبية([2]) كمنهج نقدي يصنفها جون دوبوا Jean Dubois على أنها: "فرع من فروع علم اللسان"([3]).  وهذا ما يؤكده ميشال أريفي Michel Arrivé بقوله: "الأسلوبية وصف للنص الأدبي حسب طرائق مستقاة من اللسانيات"([4]). وهو إثبات لدور اللسانيات في بلورة مفهوم الأسلوبية، الأمر الذي دفع بـ: رومان ياكوبسان (1896-1982) Roman Jacobsan في إحدى محاضراته الشهيرة إلى المناداة بـ "توثيق العلاقة بين اللسانيات والأدب عموما"([5]).

«وإنه لمن الوجاهة علميا البحث في "الخطاب اللساني" باعتباره حمّالا لتأويلات كثيرة ومدى ارتباطه بـ"الخطاب الموسيقي" وما يمكن أن يضيفه المجال "اللحني" من صور ذهنية وتأثيرات آنية تفضي إلى البحث في إشكالية "التقارب" أو "التباعد" أو أحيانا "التكامل" بين الصورة الشعرية أو الكلامية والفكرة الموسيقية»([6]).

I : المراجع الأسلوبية لمحمد عبد الوهاب

I-1: منطلقات محمد عبد الوهاب

على تعدد المصادر والمراجع التي تتناول سيرة حياة "محمد عبد الوهاب"، فإن ما يتعلق منها بتاريخ ولادته بقي موضع اختلاف بين الكتاب والنقاد. ويبدو أن عبد الوهاب لم يحسم هذه النقطة متعمدا، وإن كان عام 1902 يظل أرجح الآراء حول مولده، وهو ما تؤكده شهادة منيرة المهدية([7]).  لذلك لن نخوض في أمر بقي غامضا لدى الأغلبية، رغم أن "محمد رفعت المحامي" يؤكد أن عبد الوهاب قال بنفسه أن:

"الذي حدد يوم 13 مارس هو أمير الشعراء أحمد شوقي ... أما شهر مارس فقد اختاره ... لأنه كما كان يرى... هو شهر الربيع والحب والفن، وأما يوم 13 بالذات فقد قصد به شوقي هدم المقولة بأن رقم 13 شؤم دائمًا.. أما عن ميلادي الحقيقي فلا يعلمه إلا الله لأنه لم يكن من اهتمام على أيامنا بتسجيل المواليد في دفاتر الحكومة"([8]).

فما العمل إذا كان صاحب الشأن نفسه لا يعلم متى ولد بالضبط ... ؟!

ويمكننا أن نستنتج بأن محمد عبد الوهاب نشأ نشأة دينية، بحكم ارتياده لكتاب الشيخ الشعراني لحفظ وترتيل القرآن.

"ولقد تعلم عبد الوهاب على يد الشيخ رمضان عريف تجويد القرآن الكريم وكان في الرابعة من عمره، وكان معجبا بالشيخ رمضان... كما حفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم"([9]).

وكانت محاولات تقليد الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود وكل ما يدور في حلقات الذكر في المسجد([10])، هي الشغل الشاغل لعبد الوهاب([11]).

ثم بدأ محمد عبد الوهاب في تقليد أشهر مطربي العصر آنذاك وهو الشيخ سلامة حجازي (1852-1917). وكان يستمع لـ "الصييت" الذي سيغني في الفرح، وخاصة الشيخ سيد الصفتي (1875-1939) وصالح عبد الحي (1896-1962). لذلك مثلت هذه المرحلة الأولى من حياة عبد الوهاب مرحلة الأخذ  والتحصيل، فلقد كان ينصت وينصت ثم يحفظ ثم يقلد.  وهي في ميدان الغناء أولى وأهم المراحل في حياة كل فنان، خاصة ما يتعلق بالرصيد الذي كونه عبد الوهاب من ثروته التي انتقاها كما سبق وذكرت من التراتيل والتجاويد والمدائح والأذكار، من خلال محمد رفعت وعلي محمود، ومن أغاني الموالد والأفراح من خلال "الصّيّيت" في أشخاص محمد عثمان (1840-1900) وعبده الحامولي (1841-1901) وسلامة حجازي وسيد الصفتي وصالح عبد الحي([12]).  ويمكن القول بأن دور عبده الحامولي هام جدا في التحول الذي مرت به الأغنية المصرية، إذ يقول محمد عبد الوهاب في هذا الصدد:

"عبده الحامولي هو الذي خلق شيئًا اسمه الأغنية المصرية.. لم يعرف المجتمع قبل الحامولي سوى نوعين: بشارف وأغنيات تركية تردد في الصالونات.. وموالد تردد في الحواري بين عامة الشعب. أما الطبقة المتوسطة فليس لها غناء.  لقد جاء الحامولي واستطاع أن يخلق موسيقى تعاشر هذه الطبقة المتوسطة، وبذلك خلق لنفسه ولأغانيه طبقة جديدة من المستمعين الذين كانوا بحاجة إليه"([13]).

وإذ نجد في مصر في بداية القرن العشرين، ... أنه كان لمدرسة الحامولي دور هام في إخراج الموسيقى من حلقات الدراويش وإيصالها إلى الجمهور، وأعطى هذا الشيخ للموسيقى وظيفة جديدة فأصبحت أداة تعبير عن الإحساس البشري، وكان له فضل في شيوع الموشحات العربية وازدهار المعزوفات الموسيقية الآلية كالبشارف والسماعيات (وهي أشكال تركية ولكنها أعطيت نفسا عربيا) ... وضمت مدرسة عبده الحامولي الشيخ محمد عثمان الذي ألف عدة موشحات... ثم سلامة حجازي وقد اشتهر بالمسرح الغنائي([14]).

ويذكر نداء أبو مراد أن الموسيقى والحياة الموسيقية قبل عبده الحامولي كانت تحوي ثلاثة مذاهب هي:

  1. الأغنية الشعبية المصرية
  2. التوشيح الدينية (غناء البطانات)
  3. الموشحات الحلبية

واقتصر اللون العثماني على بلاط الخديوي دون دائرة الشعب والشارع المصري([15]). و لقد قام عبده الحامولي يساعده (أو ينافسه) محمد عثمان، بمزج هذه العناصر الموسيقية المتوفرة ... وكان الناتج موسيقى عربية تجددت ... وبرزت في أصالة يلخصها خطان عريضان...:

  • أولا، قاعدة الالتزام المقامي، وفيها ضمان الهوية الثقافية
  • وثانيا، قاعدة الإبداع الارتجالي([16]).

لكن بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية وظفر الخلفاء، نما تيار استنهاضي للمدرسة المقامية الحامولية، هو ذلك الذي سيمثله فيما بعد عبد الوهاب، والقصبجي (1892-1966)، والسنباطي (1906-1981)، الذين تتلمذوا في مدرسة الحامولي واعتمدوا المبدأين الجوهريين اللذين ترتكز عليهما. ولدينا عديد الأمثلة لهذه البداية الحامولية في ما أنتجه عبد الوهاب في بداياته متأثرا بسلامة حجازي، مع إضفاء الطابع الشخصي على الوجه الذي يتيحه مبدأ الارتجال، وخاصة مع الالتزام الدقيق بالمقام وروحه([17]).

لذلك فالمسألة ليست في الأسماء (سلامة حجازي أو عبده الحامولي أو الصفتي...)، وإنما هي مسألة تأثر بمدرسة ذات مبادئ معينة (المقامية والارتجال) وتميز روادها بأسلوب أدائي مخصوص فرض كنهه على عبد الوهاب([18]).

Ãوهو ما يدفعنا إلى القول بأن نشأة عبد الوهاب السمعية في الكتّاب فالبطانات فالموالد، كان لابد من أن تحتل أهمية كبرى في بداياته الفنية.

ثم امتدت في ما بعد محاولات عبد الوهاب إلى سماع المطربين في المسارح التي يغنون فيها([19])، ومن ثم العمل في هذه المسارح صحبة هؤلاء الفنانين.

ويمكن القول بأن التحاق عبد الوهاب بفرقة الجزايرلي قد مثل بدايته التطبيقية على أرض الميدان في مجال الفن. لأنه قبل المسرح والجمهور العريض، كان الشارع وصبيان "الحارة" هما متنفسه الذي يحقق فيه هوايته التي أخذت في النماء شيئا فشيئا، وبدأت تتبلور أكثر بفضل الغناء على المسرح بين الفصول.

ومن خلال هذه التجربة بالذات أمكننا أن نلاحظ عشق عبد الوهاب للشيخ سلامة حجازي، بما أنه كان يغني أغانيه بين الفصول، متأثرا أساسا بطريقة أدائه وأسلوب إلقائه اللذين يعتمدان على الارتجال ولكن أيضا على التعبيرية.

فيما قدمه الشاعر أحمد رامي (1892-1981) إلى فرقة عبد الرحمن رشدي المحامي المسرحي، كذلك للتغني بين الفصول([20])، وكان ذلك حتى وقت متأخر من الليل مما أغضب أمير الشعراء أحمد شوقي (1870-1932) "الذي أعجب بصوت عبد الوهاب وخاف عليه إلى درجة أنه طلب من" حكمدار" بوليس القاهرة منعه من السهر والعمل ليلا"([21]).

هذا الحدث الهام في حياة عبد الوهاب مكنه من تحصيل مكسبين في آن واحد وهو لا يعلم بعد: توقفه عن العمل أغضبه جدًا وصدمه لكنه رد ردة فعل إيجابية بتوجهه نحو صقل موهبته عن طريق التعليم والممارسة، الأمر الذي ستظهر أهميته فيما بعد في محاولات عبد الوهاب الأولى في التلحين. وثانيا لقاؤه بشوقي الذي لم ينسه منذ تلك الليلة والذي ستتجدد علاقته به فيما بعد في صورة أخرى صار فيها عبد الوهاب شابًا متعلمًا، كامل القدرات الصوتية وصاحب إمكانيات ممتازة وجلية، بحكم التحاقه بنادي الموسيقى حيث تعلم:

  • العود على يدي محمد القصبجي (1892-1966)
  • وأثرى رصيده الغنائي من الموشحات بتعلمه المزيد منها على يدي الشيخ درويش الحريري (1881-1957) ومحمود رحمي([22]).
  • بالإضافة إلى تعلم الموسيقى الأوروبية من قبل أستاذ روسي (صحبة صفر علي)، والتي حاول إثراء معلوماته فيها بالالتحاق بمعهد برجرين سنة 1927 حيث تعلم الهارموني والبيانو والغناء الأوبرالي([23]).

وبعد تلحينه لأوبريت "قنصل الوز" لفرقة نجيب الريحاني، طلبت إليه منيرة المهدية (1885-1965) تلحين أوبريت "المظلومة". وهنا، يمكن القول بأن  عبد الوهاب قد بدأ في طور الإنجاز أو التأليف، وأفسح له المجال لإبراز الثمرات النفيسة التي أينعت منذ عهد التحاقه بالكتّاب وحان قطافها بعد تجربتيه المسرحية والدراسية معًا، لتبدو في شكل ألحان ابتدأ ظهورها بـ "قنصل الوز" ثم بـ "المظلومة".

بعد ذلك عهدت إليه منيرة المهدية بتلحين أوبريت "كليوباترا"، التي ابتدأ سيد درويش (1892-1923) في تلحينها وحال الموت دونه ودون إتمامها. حتى أن عبد الوهاب لا ينكر أن تجربته مع منيرة المهدية (1885-1965) كانت إثراء له من جميع الأوجه([24]).

والملاحظ أن لكلا الشخصيتين تأثير هام وكبير في عبد الوهاب ربما يتجلى خاصة من خلال التعبير الغنائي في السينما، والذي لم يكن إلا امتدادا طبيعيًا للتعبير الغنائي المسرحي الذي مارسه عبد الوهاب لدى تأليفه الألحان المسرحية (لمنيرة المهدية ولغيرها)، بعد التأثر بها استماعًا في تآليف سيد درويش.  فقد كان سيد درويش أول ملحن أفصح بالألحان عن معاني الدور والموشح، اللذين بلغا على أيدي الشيخ عبد الرحيم المسلوب (1793-1928) والحامولي وعثمان غايتهما، فضلًا عن  القصيدة والموال.

ويمكننا أن نخلص إلى أن سيد درويش قد حقق شعبية الموسيقى وحررها ونزل بها من عالم السلاطين والأمراء لتصبح حقا أداة تعبير وتغيير.

Ãفقد كان شيئا جديدا في تاريخ الغناء أن تتحدث الأغنية عن غلاء المعيشة وعن ضحايا الاستعمار بعد أن كان الغناء ترفيهًا وتسليًة ودغدغًة للغرائز.  وكان "سيد" أول فنان يربط بين الموسيقى والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهو ما اعتبره النقاد والمؤرخون بمثابة ثورة شاملة في عالم الغناء والموسيقى العربية، قلبت المفهوم السائد عن الأغنية والموسيقى رأسا على عقب([25]).

وقد كثر اتهام النقاد لعبد الوهاب بانتهاب ألحان سيد درويش وانتحالها. على أن ذلك لم يكن إلا من باب التقليد والمحاكاة الخاصين ببداياته [علما وأنه في ختام الفصل الأول من مسرحية شهرزاد، اختلطت أصوات الداعين لزعبّله _ بطل المسرحية _ بأصوات الداعين عليه في تأليف موسيقي يحتوي على أصول الكونترپوان ... وتلك كانت أول محاولة في هذا النوع من التأليف في الموسيقى العربية([26]). فكيف لا يعجب عبد الوهاب بسيد درويش الذي اعتمد الكونترپوان أصعب التآليف الموسيقية في حين أنه لم يدرس منه شيئا في أي معهد ؟!].

وإذا كان التفاعل بين اللغة والموسيقى محدودًا أو غير واضح عند بعض الملحنين، فيمكن القول أنه قد كان قويًا جدًا عند سيد درويش الذي كان يريد أن تقول الموسيقى ما يقوله الكلام أو أن ينطق الاثنين بمعنى واحد([27]).

وقد تزامنت فترة احتكاك عبد الوهاب بالشيخ سيد مع مرحلة تعلمه فصار يردد ألحان الأوبريتات وعندما يعود إلى بيته يدونها([28])، هذه الأوبريتات التي استفاد فيها سيد درويش من بعض الألحان الشعبية في تصوير الجو الشعبي والشخصيات والمعاني الاجتماعية.

ومن خلال ما تقدم يمكننا ملاحظة أهمية مرحلة المسرح الغنائي في حياة عبد الوهاب الفنية، فالعمل ضمن خمس فرق مسرحية على رأس كل منها قطب من أقطاب التمثيل أو الغناء أو الاثنين معا، أمر لا يستهان به أبدا، خاصة في الخطوات الأولى لمبتدئ يريد كسب التجربة والشهرة في آن، ساعده على ذلك دعم شوقي اجتماعيًا وأدبيًا وثقافيًا.

-I2: محمد عبد الوهاب وليد عصره - تقديم الإطار السياسي والاجتماعي لمصر إبان النصف الأول من القرن العشرين:

إن مطارحة قضايا الفن لا يمكن أن تكون بصرف النظر عن الظروف التاريخية المحفة بطياتها. 

فقد كانت البلاد تئن تحت وطأة الاحتلال، والأزمة الاقتصادية تتفاقم بسبب الحرب والغلاء يطحن الطبقات الشعبية، والأحكام العرفية والعسكرية تخنق حريات المواطنين، وجنود الاحتلال ينتشرون في الشوارع ويعتدون على الجماهير وممتلكاتهم وأعراضهم حتى تحولت البلاد إلى سجن كبير.. كانت سلطات الاحتلال من جانبها تؤيد وتشجع الرعايا الأجانب والمصريين على إقامة دور اللهو و"الكباريهات" وفتح الحانات لكي ينصرف الناس عن أحوال بلادهم السياسية والمشاكل الاجتماعية، وللحيلولة دون تراكم الغضب الشعبي على الاحتلال والخوف من اندلاع الثورة التي كانت نذرها تتجمع في الأفق.

وعلى المستوى الفني كانت فئة الفنانين في واد والأمة والشعب بهمومه وأحزانه في واد آخر نظرا لسوء توظيف الغناء الذي تحول إلى تسلية للحكام والباشوات والأثرياء، وامتلأت  سوق الغناء بالإسفاف والإغراق في الخلاعة والمجون والإيحاءات الجنسية التي يرددها المطربون والمطربات في الملاهي والسهرات الخاصة والراقصات في الأفراح([29]).

ويمكننا أن نلاحظ أن كلمات الأغاني كانت في هذه الفترة تعبر عن ذوق عام للمجتمع([30]) ترسخ في لا وعي الشعب وتسّرب إليه خفية وبطريقة لا يتفطن لها أي كان. إذ عمد الاحتلال الإنجليزي لوضع يده الاستعمارية على مقدرات البلاد عسكريا واقتصاديا وثقافيا. وقد تمثل ذلك في ظهور العديد من الشركات الأجنبية لتسجيل الاسطوانات هي: أوديون، جرامافون، بيضافون، بوليفون، وفي إطلاق يدها لتسجيل ونشر ما أصبح يعرف عندنا بـ "الطقاطيق" وإنما من خلال ألحان داعرة الزجل كان من شأنها مزيد تخدير الوعي الجماعي للشعب ودفعه إلى التعلق بمسائل تافهة أوهم نفسه بأهمية دورها في التسلية عنه ومواساة مخاوفه من الحرب ويأسه من الحياة.

لذلك لم يكن هينا على الاستعمار الإنجليزي أو التركي أن يتقبل مذهب سيد درويش القومي في أن يجعل من الموسيقى سلاحًا شعبيًا ضد الاحتلال والسراي والإقطاع والاستغلال وأن تبلغ نظافة التعبير الجديد حدًا وصل معه حال الطقطوقة الخفيفة إلى أن تؤدي مع كل من سيد درويش وبديع خيري دورا وطنيا في " أهو دا اللي صار"... ناهيك أن هذا المسرح الغنائي تحول إلى مستودع البارود لثورة سنة 1919، وأصبح منبرا فنيا للتعبير الوطني([31]).

لذلك كان على حركة التجديد الغنائي هذه الاصطدام بعوائق الخطة الاستعمارية الإنجليزية عن قبول الأغاني شكلا و موضوعا... ويمكننا أن نلاحظ أن سياسة الإذاعة الماركونية قد التزمت بتنفيذ هذه السياسة الاستعمارية بحذافيرها من تقديم  "المطولات الغنائية بالتخت التركي التقليدي، وفي ألحان الاسترخاء التي كانت ترد القول وتعيده في مشاكل الصد والهجران ومعاتبات ولوم العزال!!"([32]).

هذا الظرف السياسي- الاجتماعي بما حواه من متناقضات، كان عبارة عن طريق متفرعة أمام عبد الوهاب، يحيل كل اتجاه منها على نوعية معينة ومحددة يمكن له بناء صرحه الفني على منوالها:

  • مجالس الشيوخ المقرئين والمنشدين بكل ما تحويه من براعة في التعامل مع المقامات وحسن الأداء.
  • الموالد والأفراح التي عادة ما يغني فيها الصييت الموشحات والأدوار مع اعتماد الإعادات والتكرار الذي يطلبه الجمهور المستمع في إطار الجو الطربي.
  • المسارح الخليعة ودور اللهو التي لا تسند للموسيقى والغناء إلا دورا ترفيهيًا يتمثل في تسلية المستمعين ومخاطبة لا وعيهم الباطني وذلك بشحذ غرائزهم الجنسية.
  • أو المسارح وعروضها التعبيرية أو الثورية التي يحاول مقدموها أن يضفوا عليها بعدًا جديدًا من شأنه فسخ البلادة الذهنية التي ساهمت الطقاطيق الخفيفة في تركيزها في عقل الفنان كما الشعب.

ويبدو أن عبد الوهاب اختار أن يأخذ من كل شيء القليل، فتفرّعت مراجعه الأسلوبية.

لعلّنا إذا حاولنا الإشارة إلى أهم الظروف والأحداث التي أحاطت بالفترة الزمنية التي بزغت فيها بذرة فنان ليس هو إلا عبد الوهاب، بما تحويه من عناصر مؤثرة سواء كانت:

  • هيكلية: الكتّاب، المسارح، معهد الموسيقى المشرقي
  • أو إنسانية: الشيوخ المقرئون في شخوص محمد رفعت وعلي محمود، الشيوخ المنشدون: عبده الحامولي، سلامة حجازي، صالح عبد الحي، سيد الصفتي، سيد درويش. وأحمد شوقي ومنيرة المهدية اللذين كانا مساهمين إلى حد كبير في اعتلاء عبد الوهاب لسلم الشهرة عن طريق الشخصيات التي عرفها عن طريقهما والتي كانت على مستوى من السلطة والنفوذ يجعلها دعامة قوية وفعالة في حياة كل فنان مبتدئ.
  • هذا فضلا عن التكوين الأدبي والعلمي والثقافي الذي حصله عبد الوهاب من احتكاكه بشوقي وصحبه. ثم أن الأحداث السياسية (والاجتماعية والاقتصادية) كانت ذات تأثير مباشر على الفن والموسيقى عموما، وساهمت في انتشار نوعية مبتذلة أو خفيفة إن صح التعبير من الفن تحت عنوان: "تسلية الشعب". وهي مرحلة لم يفلت عبد الوهاب من التأثر بها في ألحانه الأولى، و"فيك عشرة كوتشينة" أدل مثال على هذا التأثر.

ß و قد كانت إشارة مطولة نوعا ما، بحكم أنها تحتوي الدعائم الأساسية التي انبنت عليها هذه الأسلوبية في انطلاقتها. فالفن لا يوجد في المطلق، بل هو نسبي يتلون حسب الوقت واختلافات الزمان ، خاصة أنه يمثل إجابة (أو إجابات) عن أسئلة تطرحها الفترة التاريخية التي هو وليدها والتي كذلك يؤثر فيها بصفة أو بأخرى([33])، كما أنه: "لغة إنسان كوني يعبر بها كيف شاء من محيطه الثقافي  والفني ووفق رؤاه و تصوراته عن العالم و الكون"([34]) (أي عن طريق التقليد أو التجديد، أو الاثنين معا مثلا).

ويمكن تعريف العمل الفني على أنه أثر للتأثر وللتأثير، فعملية الإنتاج الفني تقع في مراحل يسلكها الفنان مارا من علاقة إلى علاقة، أولها تلقيه لمؤثرات داخلية وخارجية (ذكرنا منها الجزء الذي صاحب نشأة عبد الوهاب وخطواته الأولى، وسنقدم في مرحلة لاحقة تلك التي صاحبت خطواته الثابتة عندما اشتد عوده في الغناء و التلحين)، _ مارًا من طور الاستعداد إلى طور الإنجاز، فطور النظر... وهي مراحل ضرورية لتعريف الفن مثل الفنان، أي لضبط ماهية الأول وهوية الثاني... فربما يكون العمل أثرا لخفايا الذات المكنونة. هكذا تكون نظرة الفنان إلى عمله نظرة مزدوجة: نظرة داخلية لنفسه ونظرة خارجية للعمل في وجوده بصفة مستقلة([35]).

إذا ما يمكن أن نستنتجه هو أنه لا يمكن القطع مع الماضي لإبراز أهمية الحاضر على حسابه. أو استشراف المستقبل من خلال تجاهل الماضي والحاضر على اعتبار أنه لا نفع من التواصل معهما.  وهذا مردّه إلى أنّ الحضارات تتقدم دوما بتحقيق الصيرورة[36].


 الهوامش

[1]  دكتورة في الموسيقى والعلوم الموسيقية، أستاذة مساعدة بالمعهد العالي للموسيقى بصفاقس.

[2])مدخل إلى الأسلوبية بقلم السيد قليل يوسف (باحث جامعي-جامعة سيدي بلعباس): maamri-ilm2010.yoo7.com

[3]  (j .Dubois et autres, dictionnaire de linguistique, p 458.

[4]) نقلا من كتاب المسدي: الأسلوبية والأسلوب، ص 48.

[5])في عام 1960 احتضنت جامعة أنديانا الأمريكية ندوة دولية كبرى حول "الأسلوب"، شارك فيها صفوة من اللسانيين والنقاد وعلماء الاجتماع والنفس المعروفين عالميًا، وفيها ألقى رومان ياكوبسان محاضرة عنوانها "اللسانيات والشعرية"، نادى فيها بتوثيق العلاقة بين اللسانيات والأدب عموما، وتمتين الروابط بينهما.

[6])المؤتمر الدولي مقاربات في تحليل الخطاب الموسيقي - شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات والأبحاث، تاريخها: 4-6 أفريل 2017: diae-net.cdn-ampproject.org

[7]) الحفني، رتيبة، محمد عبد الوهاب حياته و فنه، القاهرة، دار الشروق، 1991، ص ص.13-14

[8]) المحامي، محمد رفعت، محمد عبد الوهاب،(المكان غير وارد)،  دار البحار، 2002 ، ص.20                                                      

[9]) الحفني، رتيبة، محمد عبد الوهاب ...، نفس المرجع، ص ص . 14-15

10) وهبة، سعد الدين، النهر الخالد: محمد عبد الوهاب في حوار مع سعد الدين وهبة، الكويت-القاهرة، دار سعاد الصباح، 1992، ص.20  

[11]) الحفني، رتيبة، محمد عبد الوهاب ...، مرجع مذكور، ص ص . 13-14

[12]) ويذكر عبد الوهاب أنه من شدة إعجابه بصالح عبد الحي_ مطرب الأدوار البارع (إلى جانب مطرب المسرح الأشهر الشيخ سلامة حجازي و مطرب الأفراح  الليالي الملاح عبد اللطيف البنا)_ تمكن من" الشعبطة على حنطور صالح أفندي" و قال له: "  والنبي يا أستاذ، اديني ايدك أبوسها": عوض، محمود، محمد عبد الوهاب، مرجع مذكور، 1992،  ص ص. 51 – 52  

[13]) عوض، محمود، محمد عبد الوهاب، نفس المرجع، ص .177  

[14]) زغندة، فتحي، «الإتجاهات المختلفة للتأليف الموسيقي المعاصر»، مجلة الحياة الثقافية، تونس، العدد 5، أوت 1978، ص ص. 106-107

[15]) أبو مراد، نداء، «أزمة الموسيقى العربية بين الإبداع و التغريب»، مجلة الفكر العربي، بيروت، السنة 13، العدد 70، أكتوبر/ ديسمبر 1992 ، ص . 179

[16]) أبو مراد، نداء، «أزمة الموسيقى ...»، نفس المرجع ، ص. 178

[17]) أبو مراد (نداء)، «أزمة الموسيقى ...»، نفس المرجع، ص. 180

[18]) لذلك لا نستغرب أبدا من أن أول اسطوانتين سجلهما عبد الوهاب هما: "أتيت فألفيتها ساهرة" و "ويلاه ما حيلتي ويلاه ما عجبي" من مسرحية غنائية للشيخ سلامة حجازي" غانية الأندلس" تأليف خليل مطران. أو أنه وفاءا للشيخ الصالح الإمام الشعراني (أبيه)،" درج في سنوات الأربعينيات، وربما لمدة أربع سنوات متتالية على إطلاق الابتهالات والمدائح النبوية من فوق مئذنة المسجد و يعقبها برفع استغاثة الفجر و يؤذن الفجر طوال شهر رمضان في تلك السنوات": أحمد عبد الله، عبد الله، صفحات مجهولة من عبد الوهاب، مرجع مذكور، ص. 35

[19]) عوض،  محمود، محمد عبد الوهاب، مرجع مذكور، ص. 53

[20]) العنتري، فرج، في النقد و التذوق الموسيقي، القاهرة-مصر، دار الكلمة logos، 2000، ص. 220   

[21]) عوض، محمود، محمد عبد الوهاب، مرجع مذكور، ص .67

[22]) العنتري، فرج، في النقد ...، مرجع مذكور ، ص. 20

[23]) وهبة، سعد الدين، النهر الخالد:...، مرجع مذكور، ص ص.43-47

[24]) المحامي، محمد رفعت، محمد عبد الوهاب، مرجع مذكور، ص.17

[25])أمين، وديع، « 78 عاما على رحيل فنان الشعب سيد درويش »، مجلة أدب و نقد، القاهرة، أكتوبر 2001، عدد 194، ص. 56

[26]) سحاب، فيكتور، السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة، بيروت-لبنان، دار العلم للملايين، 1987، ص. 45

[27]) عبد الفتاح، سهير، «التصوير و التعبير في ألحان سيد درويش»، مجلة العربي، الكويت، عدد 289، ديسمبر 1982، ص. 143

[28]) الحفني، رتيبة، محمد عبد الوهاب ...، مرجع مذكور، ص. 22

[29]) أمين، وديع، « 78 عاما على .... »، نفس المرجع ، ص .54

[30]) عوض، محمود، محمد عبد الوهاب، مرجع مذكور، ص.40

[31]) العنتري، فرج، في النقد... ، مرجع مذكور، ص ص. 70- 72

[32]) العنتري، فرج، في النقد... ، نفس المرجع، ص ص. 259- 260

[33])عايدابي، يوسف، «تداخل النظرات، من فن الهوية... إلى هوية الفن (ندوة علمية) »، الشارقة، دائرة الثقافة و الإعلام( مداخلة نجاح جغام)، أبريل 1999، ص. 11

[34])عايدابي،  يوسف، « تداخل النظرات... »، نفس المرجع،  ص .7

[35])عايدابي، يوسف، « تداخل النظرات... »، مرجع مذكور،  ص .14

[36])وقد نشأ مصطلح الصيرورة في شرق اليونان القديمة، في القرن السادس ق.م مع الفيلسوف اليوناني هرقليطس الذي تحدث بإسهاب في أطروحته "على الطبيعة" عن هذا المفهوم. وفيها ذكر العبارة التي أصبحت مثلا شهيرا: «كل شيء في حالة جريان، لا شيء يبقى على حاله»، معتبرا بذلك أن الصيرورة أساس الوجود وأساس كل التغيرات التي تحدث في الطبيعة وأنه لا وجود بلا تطور –أي لا كينونة بلا صيرورة. وأنه لا تطور بلا وجود –أي لا صيرورة بلا كينونة أولى:  صيرورة ar .m.wikipedia.org>wiki>

 

Rate this item
(2 votes)
Last modified on الخميس, 01 نيسان/أبريل 2021 09:05
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تسهم الأغنية العربية المعاصرة في صون تراثنا الموسيقي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM