arenfrfaestr

الموسيقى علاقة بين الصوت واللون

 

 

بتصرف عن مقالة كتبتها سعاد خليل

 

الموسيقي فن له أهميته الخاصة في إنماء حاسة الذوق الجمالي لدى كل فرد، ولا شك بان كل مواطن متذوق لهذا الفن الرفيع يأمل أن يجد موسيقاه على أساس علمي سليم.  والإنسان بحسب الأبحاث العلمية لا يعيش بالطعام والشراب فقط وإنما يحتاج أيضا إلى الهدوء والطمأنينة، والراحة، والانسجام.

وللموسيقى دور كبير في تهدئة النفوس، وتغير الأمزجة، فهي قد تثير الغضب وتعزز الحماسة والشجاعة والإقدام في ميادين المعركة، كما يمكن أن تستخدم لبعث الطمأنينة وانسجام الروح.  كما يلعب هذا الفن دوره في حياة الإنسان لما له من تأثير على نفسيته.  وتوجد تفاصيل أخرى في هذا النوع من الفنون لا على صعيد العزف فقط بل أيضاً عند الغوص في معاني الموسيقى والجمل الموسيقية وكذلك في العلاقة بين الصوت واللون في الموسيقى.

يقول محمد غباشي في دراسة له: إن العلاقة بين الصوت واللون تقوم على ارتباطات وجدانية نفسية ومدلولات فسيولوجية تخضع لما يسمي بظاهرة السينايسثيزيا Synaesthesia أي العلاقة في التزامن بين الصوت واللون أو الارتباط والتنسيق بين نوعين مختلفين من الأحاسيس، فالعقل هو جهاز الاستقبال والتحكم والربط والتنسيق وهو الذي تتحكم فيه كل الحواس وهو الذي يربط بين البصر والسمع والشم.  والطبيعة كأم لكل الفنون تتكامل فيها الحركة المرئية والحركة السمعية، اللون والصوت وكافة الظواهر الأخرى، وعندما يتحد الإنسان مع الطبيعة وتتكامل فيه عناصر الحياة بثقافتها البصرية والسمعية وارتباطاتها بالتجاوب العصبي، فانه يتمكن من الرؤية حتى لو كان كفيفاً، ومن السمع حتى لو كان أصماً، تماما كما كان يرى طه حسين برؤية أكثر دقة وصحة وجمالا من المبصرين، وكما كان يسمع بيتهوفن وهم أصم ما لا تتمكن أذن أن تسمعه أو تستشفه من جمال.  وقد قال المؤرخ والكاتب الاسكتلندي توماس كارلايل: "إذا تأملتَ الشيء ونظرت إليه بعمق وتفحصته فإنك حقا ستستمتع بموسيقاه، لان النغم يكمن في قلب طبيعة الأشياء."

إن الموسيقي هي الحركة في الزمن وهي التي تحوّل الصورة أو اللوحة الساكنة في المساحة والفراغ إلى رؤية موسيقية ورؤية متحركة أو بمعنى أخر رؤية جمالية ذات أحساس كامل متحرك، وهذا ما جعل الاهتمام يتزايد بمصاحبة الصورة المعبرة بالصوت.  فالمزج الفني بين ما هو مرئي وعقلي وسمعي يجعل الحقيقة أكثر تكاملا، والحس البشري أكثر نضجا وأقرب إلى الطبيعة الأولى والى الحقيقة نفسها. 

لقد بدأت المحاولات الأولى للربط والتمثيل والمقابلة بين الصوت واللون منذ عصور حضارية قديمة، فقد بدأها عالم الاسكندرية العظيم ”بطليموس” منذ القرن الثاني بعد الميلاد وتوصل إلى أن اللون لا يرتبط بفن التصوير فحسب بل يتعداه إلى فنون النحت والعمارة والموسيقى، فالرسام يستعمل ألوانه بحكمة ودراية ويخلط بينها بمقابلة أكثر مادية وواقعية، أما الموسيقي فيستخدم تلوينات الآلات الموسيقية مجتمعة من  خلال المقامات والانتقال بينها والتركيبات الهارمونية بين الأصوات والخطوط اللحنية  المتقابلة. 

وتتقابل الألوان، سواء المادية منها أو الحسية، بالتوافق والتعارض والتنافر على السواء.  فالنقيض دائما هو الذي يكمل المعنى؛ فلا يوجد ليل بلا نهار، ولا أبيض بلا أسود، ولا هدوء بلا صخب. ولولا النقيض ما وجد الأصل، أي لا توجد نظرية دون نقيضها.  وكل مقام موسيقي له ما يقابله من ألوان، وكل آلة موسيقية تتماثل في طبيعتها مع لون خاص يحدث نفس التعبير أو أقرب ما يمكن إليه.  وهناك حقائق أزاح عنها العلم الحديث الكثير من الغموض، نذكر منها وبخاصة ما يتعلق بالواقع العلمي لمقابل الصوت باللون.  إن الموسيقى مجموعة أصوات وكل صوت له تردد معين وبعدد محدد من الذبذبات في الثانية الواحدة. والأمر نفسه ينسحب على اللون حيث يوجد عدد معين ومحدد من الذبذبات في الثانية الواحدة، ولكنها ذبذبات كثيرة العدد تفوق قدرة السمع.

الذبذبات الصوتية تتردد في الهواء والذبذبات الضوئية التي تحدد اللون وتدل عليه وتعيده تتردد في الأثير.  وتتفاوت سرعة الذبذبات الصوتية التي بمقدور الإنسان سماعها بين 16 و20 ألفاً في الثانية الواحدة، بينما الذبذبات المرئية التي تتكون منها الألوان تتفاوت سرعتها ما بين 451 ألف مليار و870 ألف مليار ذبذبة في الثانية الواحدة.  أي أننا لو أردنا الحصول على صوت موسيقي معين فإننا نصدر العدد الذي يرتبط بهذا الصوت من الذبذبات. مثال، إذا أخذنا العلامة الموسيقية "لا" نجد أنها تساوي 440 ذبذبة في الثانية، حينذاك نستطيع سماع الصوت المطلوب.  وهكذا فان الموسيقى عبارة عن تتابع لأرقام كما حدد العلم ذلك منذ أكثر من 2500 عام.  ولو أردنا الحصول على لون معين فإننا نفعل نفس الشيء.

وفي ضوء ذلك، وجد العلماء، وعلى رأسهم نيوتن، أن النسب الرياضية الفاصلة بين ألوان الطيف السبعة تتقابل مع الأصوات الموسيقية السبعة (ري، مي، فا، صول، لا، سي، دو) أي وفقا لمقام دوريان Dorian. وتبعا لذلك، ظهرت المحاولات العلمية العديدة التي ربطت بين اللون والصوت، أي بين العين والاذن، وذلك من خلال عزف موسيقي مع عرض الألوان التي تتقابل معه.  وبالطبع فان صعوبات عديدة قابلت تلك المحاولات إلا أن البحوث لا تزال جارية بهذا الصدد.

وعند تناول السلالم الموسيقية، نجد بأن كبار الموسيقيين ربطوا وجدانيا بينها وبين الألوان، وكانت هذه العلاقة ترتبط إلى حد ما بأحاسيسهم الشخصية النابعة من تجربة كل منهم في الفن والحياة.  لذلك فان تحديد كل منهم كان يختلف عن الآخر، ونذكر هنا على سبيل المثال بعضا من المقامات والألوان لاثنين من كبار الموسيقيين هما: رمسكي كورساكوف، وسكريابين.  كان كورساكوف يرى في سلم "دو" الكبير (أي دو ماجور) مثلاً اللون الأبيض بينما يرى سكريابين نفس السلم باللون الأحمر.  وسلم "ري" الكبير كان كورساكوف يراه أصفراً شمسياً في حين كان سكريابين يراه أصفراً براقاً.  وبدوره كان بيتهوفن يشعر بأن سلم "سي" الصغير (أي سي مينور) يوحي باللون الأسود ...

إن عزف الأصوات السبعة الخاصة بالسلم الموسيقي في نفس الوقت ينتج عنه تآلف هارموني شديد التنافر ولكن التوافق يحصل وفقاً لاختيار خاص بين ثلاثة أو أربعة أصوات. وكذلك فإن ظهور ألوان الطيف السبعة معاً ينتج اللون الأبيض، وهو أكثر الألوان تنافرا مع البصر.  ولقد ثبت بالتجربة أن الأشخاص الذين يفتقدون إمكانية تمييز طبقات الأصوات الموسيقية يكونون من مرضى الألوان، أي مصابين بعمي الألوان أو ما يشبه ذلك. 

منذ بداية القرن السابع عشر قام لفيف من العلماء الموسيقيين بتجارب تهدف إلى اداء موسيقي ومرئي في نفس الوقت، أي باختراع وتصنيع آلات موسيقية مثل الأرغن والهاربسيكورد، تعزف الموسيقى وتنتج في نفس الوقت الألوان المقابلة لما يُعزف.  واستمرت التجارب حتى جاء والاس ريمنجتون (1854-1918) واخترع الأرغن الضوئي الملون.  وهذا الأرغن لم يتمكن من عزف موسيقى، بل كان يصدر ألوانا تعرض على شاشة ويصاحب هذا العرض الضوئي اداء موسيقي يقوم به عازف بيانو او أداء أوركسترالي لموسيقى كان أغلبها لشوبان وفاغنر؛ أي أن هذا الأرغن كان يترجم الأعمال الموسيقية إلى ألوان بمجرد عزفها على لوحة المفاتيح لتصحب عزفا موسيقياٌ سمعياٌ حياٌ.

اما آلة الكلافيلوفكس فقد اخترعها توماس فيلفريد الدانماركي الأصل وعرضها في نيويورك عام 1922، وهي آلة لا تعزف موسيقى سمعية على الإطلاق ولكنها تعزف مؤلفات خاصة بمخترعها يستعمل فيها الألوان فقط، فهي موسيقى للعين وبنفس طرق وقوالب التأليف الموسيقي من خطوط لحنية وأصوات مصاحبة وإيقاع مختلف الأداء، أي أنها فن آخر يوحي بالصوت من خلال النظر محققا بذلك نظرية تدعو إلى أن اللون والصوت الموسيقي يشكلان أقرب الارتباطات بين الحواس البشرية التي تكتمل بها نفسية الإنسان.

وجاء عام 1924 باختراع جديد قام به فردريك بنشام عندما قدم آلة الكونسول الضوئي الملون التي هي عبارة عن آلة تشبه الأرغن وتتمكن من عزف موسيقى اللون الممكنة فقط.  فقد اكتشف بالتجربة أن التفاوت الكبير بين سرعتي الصوت والضوء يجعل عزف السلم الموسيقي الملون (الكروماتيك) مستحيلا بالضوء، لان الأداء اللوني لهذا السلم لا يجعل المطابقة بين اللون والصوت المصاحب له ممكناً وذلك لاختلاط الأصوات إذ تراها العين قبل أن تسمعها الإذن.  وبناء لذلك جعل آلته تصاحب الموسيقى الحقيقية دون صخب من الألوان، أي بأداء لوني بطيء نوعا ما؛ أي صاحب مجموعة من الأصوات المتتالية بلوحة واحدة  من الألوان تتغير كل فترة زمنية تسمح بالربط الدقيق بين البصر والسمع. والجدير بالذكر هنا أيضا أن الفنان الراحل “والت ديزني” استخدم هذه العلاقات بين الموسيقى واللون في فيلمه الخالد “فانتازيا “عام 1937م.

دراسة مهمة عن العلاقة بين اللون والصوت في الموسيقي

قال المؤلف الموسيقي والفيلسوف سيريل سكوت عام 1917: إن كل عمل موسيقي يؤدي إلى إشعاع فكري ولوني يتشكل في صيغة قالب جمالي يسبح في الفضاء، وتتحدد القيمة الجمالية للعمل الموسيقي وفقا لهذا القالب الجمالي الروحي المحسوس.  وهذا الجمال هو الذي يشكل الطبيعة النفسية للبشر ويؤثر على إفرازات الغدد وعلى الطاقة الكامنة في الإنسان.

إذا، توجد علاقة بين الصوت واللون في الموسيقى فعندما نستمتع بمناظر طبيعة تصاحبها أصوات من الطبيعة كحفيف الشجر وأصوات الطيور وخرير الماء، فإن هذا يقودونا إلى الحقيقة التي تبحث عنها الفلسفة والفنون دائما، والتي بحث عنها فاغنر في “الدراما الموسيقية”، ألا وهي تكامل فنون الصوت والصورة، كالشعر والموسيقى، والحركة والعمارة.  فإذا اكتملت هذه العناصر كان تأثرها أقوى وأكثر تكاملا وأقرب إلى الحقيقة.

المصدر: الرأي اليوم - جزء من دراسة: محمد غباشي، الرافد 84

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 02 كانون1/ديسمبر 2021 12:35
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق التربية الموسيقية دوراً فعالاً في التنمية البشرية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM