arenfrfaestr

مانويل دي فايّا القسم الثاني (بتصرف) 

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل

الدرس الكبير

الواقع أن فايا كان مدينا بالفضل لكل هؤلاء الموسيقيين، ولا سيما منهم ديبوسي، ذلك الذي كان يحلو لكَابرييل دأنُّونزيوGabriele d'Annunzio  أن يطلق عليه لقب "كلود دو فرانس."

وبالفعل، فلقد أصبح كلود ديبوسي رفيقه ومرشده، وهو الذي ساعده على مواصلة تعلمه على بِّدريل Pedrell، وكان يقول له: "اقرأ ما خط في الطبيعة من ألحان موسيقية". وبذلك تهيأ لمانويل فايا أن ينفتح على الإلهام الحر، ولم يعد رصيده الموسيقي منحصرا فيما يتيحه المنهل المحدود للموسيقى الشعبية الكاتالونية، وذلك ما تكشف عنه بكامل الوضوح "الأغاني السبع" و"ليالي في حدائق إسبانيا."

في غرناطة

دفعت الحرب العالمية الأولى مانويل إلى مغادرة فرنسا والعودة إلى وطنه. وبعد بضعة أشهر قضاها في التنقل من مكان إلى آخر اختار - من أجل أن يحيا في عزلة وسلام - أن يقطن أحد أكثر المواقع روعة في الأندلس، إنه كَارْمِنْ دي أَنْتِكِرْوِيلا Carmen de Antequeruela على مقربة من قصر الحمراء في غرناطة.  في هذا الموقع سكن مانويل أربعة عشر عاما، أمام بيته مشهد السهل والمدينة، وعن يساره ترتفع جبال الشارات تكسوها الثلوج وتضيئها شمس الغروب، وعن يمينه أوراق الشجر المحيطة بالقصر المغربي القديم. إنه المنظر المثالي، والحلم الحقيقي، والقصيدة الكاملة.  في هذا البيت ألف مانويل "ساحر الحب" l'Amour sorcier - باليه راقص ومُغَنّى ألفه بطلب من الراقصة الغجرية "باستورا إمبريو" Pastora Imperio  -  رقصة النار la danza del fuego مدمرة الشياطين الشريرة، ورمز الشعلة المطهرة والقادرة على تطهير القلوب وزرع المحبة بينها.

عندما عرض باليه "ساحر الحب" عام 1928 بالأوبرا لقي نجاحا منقطع النظير، لدرجة حملت الجمهور على الصراخ في انفعال والتصفيق بقوة ملتمسا من المؤلف المثول أمامه على خشبة المسرح، فما كان منه إلا أن رفض بإصرار قائلا: "لست أنا الذي يستحق التصفيق، بل الموسيقى."

مؤلفات أخرى

في سنة 1919 ألف فايا "قبعة التريكوات الثلاثة  los tres Tricos El sombrero de بطلب من  سيرغي دو دياكَيليفَ Serge de Diaghilev خبير الباليهات الروسية، والقطعة عبارة عن رقصة كوريغرافية رشيقة.  وقد عاد في نفس السنة ليؤلف "النار السخيفة" Fuego fatuo ، وهي أوبرا كوميك كتبت على ألحان لشوبان، ثم تلتها في سنة 1922 أوبرا الحجرة بعنوان اعتزال الأستاذ بيدرو Retable de maeso Pedro التي استوحاها من مقطع من "دون كيشوت" لسرفانتيس، وتم عرضها في كل من إشبيلية وباريس عام 1923. وأخيرا تمكن من أن ينجز "الكونشرتو للكلافَسان أو للبيانو" بطلب من عازفة الهاربسيكورد البولندية المعروفة واندا لاندوفَسكا Wanda Landowska، ليضيف إليه خمس آلات أخرى هي الفلوت، والأوبوا، والكلارينيت، والكمان، والتشيللو.  وإلى كل ذلك، فقد كتب فايا لآلة البيانو أيضا "الفانتازيا الأندلسية" Fantasia baetica على شرف ديبوسي، ثم أعاد تنسيقها للأوركسترا، كما كتب للبيانو - مرة أخرى - "ضريح بول دوكا".

ترك فايا عند وفاته في الأرجنتين عام 1946 أوراتوريو "أتلانتيدا" Atlantida غير مكتمل للغناء الانفرادي ومجموعة المنشدين والأوركسترا انطلاقا من قصيدة لخاثينتو فَيرداكَويرJacinto Verdaguer.

وبفضل مبادرة طيبة اتخذتها دوقة ليسيرا duchesse de Lecera، حُوِّل البيت الذي كان فايا يقطنه قريبا من قصر الحمراء إلى متحف حافل بالذكريات، تزينه القضبان والشبابيك والجدران البيضاء والنباتات الخضراء.                

نعمة عليا

ما أن شبت الحرب المدنية في إسبانيا حتى ولى مانويل وجهه مهاجرا نحو الأرجنتين وفي رفقته أخته كارمن.  هناك وعلى بعد عشرين كلم من قرطبة سكن بيتا في قلب منطقة جبلية  يقع على مقربة من قرية صغيرة تحمل اسم "آلطا كَراثيا" Alta Gracia. في هذا البيت توفي عام 1946 قبل أن تكتمل السنة السبعون من عمره بأيام قليلة، واليوم يطلق اسمه على الشارع الذي كان يقطن فيه.

كان فايا هش الهيئة يبدو وكأنه شبح زاهد يذكرنا ببعض رهبان الأديرة الإيبيرية، ولأنه حافظ على قوة إيمانه العقدي وسلامة نهجه الموسيقي، فقد عرف كيف يستفيد من توجيهات ديبوسي، فلم يعد قط إلى التيمات الشعبية، وإن يكن قد حافظ على روحها، هذه الروح التي عبر عنها بأصالة شخصية ذات قوة نادرة المثال.  ولطالما حدثه صاحب رائعة "البحر" عن "لُحمة الانفعال،" وحذره من "المبالغة في التعقيد" التي هي نقيض "حقيقة الفن،" فكان نعم العامل بنصائح أستاذه.

التخطيط الأساسي، والتركيز، والتجريد؛ النار المحتواة آنا أو المتفجرة طورا، العاطفة والذوق، وفي ذات اللحظة التبجيل والوقار والوضوح المطلق. كل ذلك من شأنه أن يعلن وفق إيقاع معين عن توجه يطبع أعمال المؤلف ويجمع بين الذاتية والأصالة. إنه بحق نهج كلاسيكي قح. 

قبل وفاته بأسابيع قليلة، زاره عازف الكمان الفرنسي كَابرييل بويون Gabriel Bouillon في إطار جولة فنية كان يقوم بها في أمريكا الجنوبية. وقد وجده في حالة قصوى من الهزال، شاحب الوجه، لا يقدر على المشي إلا بصعوبة. وبغتة لمعت عيناه فسأل ضيفه: ما أخبار فرنسا؟ حدثني عن هذا البلد الذي أحببته كثيرا، ولي فيه أصدقاء كثيرون. إنني أدين له بكل شيء، هل تسمعني؟ نعم كل شيء. 

ويمضي على هذه الزيارة واحد وعشرون يوما لتنتهي حياة مانويل دي فايا وهو يحمل في صدره حبا عظيما لفرنسا.

[1] Esther Van Loo - Revue MUSICA, n° 65, Aout 1959, imp CHAIX (seine), pp 42 – 44.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 02 كانون1/ديسمبر 2021 13:13
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق التربية الموسيقية دوراً فعالاً في التنمية البشرية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM