arenfrfaestr

الموسيقى بين الموسيقولوجيا التّقليديّة والحديثة

د. إلياس بودن (تونس)

لطالما مثّل الفنّ الموسيقي موضوع دراسات بلاغيّة حدّدت مفاهيم النّقد الجماليّ الغربي منذ القرنين الميلاديين التّاسع عشر والعشرين، إلاّ أنّ تلك الدراسات انتهت إلى الاختلاف في تقويم الموسيقات حسب واقعها.  وقد نتج عن تلك الاختلافات بداية طرح مقاييس تحديد مفهوم الموسيقى خاصّة مع ظهور الموسيقات الحديثة، فهل هي مقاييس أمبيريقيّة تجريبيّة تضع نموذجا للقياس؟  أم هي مقاييس واقعيّة ملموسة تحدّد التّركيب والهيكليّة والخلفيّة الثّقافيّة للتّعابير الموسيقيّة؟

ونستطيع أن نقول إنّ تطوّر مسار البحوث الموسيقيّة من شأنه أن يوضّح انتقال المقاييس من الشّكل النّظري النّخبوي إلى الشّكل الواقعي باستخلاصه مكتسبات الاكتشافات العلميّة المتتالية في مختلف العلوم الإنسانيّة والصّحيحة.

وفعلا لأن انطلاقات البحوث الموسيقيّة كانت ذات طابع ذاتي ومتحيّز إلى الرّؤى النّخبويّة الغربيّة منذ نهايات القرن التّاسع عشر، فإنّها ورغم تغيّر المواقف والنّظرة إلى الأخر غير الأوروبّي بدأت تتّخذ أبعادا أكثر موضوعيّة متقرّبة من الطّابع العلمي في النّصف الأوّل من القرن العشرين ممّا أفضى إلى ظهور علم الموسيقى واستقرار أسسه ومناهجه الأساسيّة في المتابعة التّاريخيّة والتّحليليّة والتّقويميّة مع مزيد التّحرّيات والاكتشافات الميدانيّة خاصّة عبر علمي الإثنولوجيا والأنتروبولوجيا.

بهذا الشّكل استقلّ في بادئ الأمر علم الموسيقى عن الدّراسات البلاغيّة والأدبيّة التّقليديّة ليندرج أكثر في مفاهيم علم التّاريخ الحديث، فظلّ لفترة تقارب النّصف قرن (من ثلاثينيات القرن العشرين إلى ثّمانينيّاته تقريبا) متأثّرا بالقوميّات الحديثة وأثرها في دراسة الجوانب البنيويّة العرقيّة واللّغويّة ورمزيّتها في مختلف التّعابير الموسيقيّة الفرديّة والجمّاعيّة.

وفي هذه الأثناء كانت الثّورة العلميّة الغربيّة تزداد يوما بعد يوم ممّا لفت عديد الموسيقولوجيّين إلى أهميّة المفهوم الثّقافي الجديد الذي بدأ يتجذّر في علم الأنتروبولوجيا الثّقافيّة والذي يدرس الظّواهر الثّقافيّة في مفهوم شامل بحيث تصبح الموسيقى حدثا موسيقيا متكاملا فردياّ وجمّاعيّا ذا أبعاد نفسيّة واجتماعيّة متفاعلة مع التّطوّر التّاريخي.

في هذه المرحلة الأولى من مسار علم الموسيقى التّطوّري استند هذا العلم إلى مكتسبات علم النّفس التّجريبي وعلم الاجتماع اللذين اتّفقا على أنّ التّعابير الموسيقيّة مهما تنوّعت تظلّ خاضعة لقوانين التّراكم الثّقافي النّاتج عن التّفاعل الخطابي الانتشاريّ من المركز إلى المحيط، والعكس بالعكس.

وتزامنت هذه التّفاعلات بين علم الموسيقى وعلمي النّفس والاجتماع مع التّطوّر الحاصل في البحوث اللّغويّة وعلم اللّسان تحديدا والذي ثبّت مبادئ الخطاب وتفسيراتها المباشرة وغير المباشرة (التّأويليّة اعتمادا على رمزيّة العلامات).  وعند هذا الحدّ تفاعلت الموسيقولوجيا في مرحلتها الوسطى مع علم السّيميولوجيا والسّيميوطيقا ومكتسباتهما لتتّخذ أبعادا أكثر توسّعا في مستوى دراسة الظّواهر الموسيقيّة، وبالتّالي بدأت بوادر علم الموسيقى في مفهومه الحديث والمعاصر في النّصف الثّاني من القرن العشرين في مقاربات علميّة متعدّدة متشعّبة ومتداخلة ولكنّها تكمّل بعضها البعض.

في هذه المرحلة الحديثة لعلم الموسيقى أصبحت دراسة الموسيقى تستند إلى تعريف الموسيقى في حدّ ذاتها كظاهرة شاملة متعدّدة الأبعاد في مستويات ثلاثة إنشائيّة وتقبّلية ومرجعيّة، مِمّا يضطرّها إلى النّظر إلى الموسيقى كظاهرة متشعّبة تتجمّع لتفسيرها العلوم الإنسانيّة في مختلف مقارباتها الحديثة الفلسفيّة والتّاريخيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة واللّغويّة مع العلوم الصّحيحة الرّياضيّة والفيزيائيّة والطبّية مثلما عبّر عنها الباحث الموسيقي والسيميولوجي الفرنسي "جون جاك ناتيي" بالقول: «لكي نتفهّم وجهة النّظر التي نتبنّى نستطيع أن نمثّل المعرفة الموسيقيّة في شكل متعدّد الوجوه.  في قلب هذا الشّكل توجد الموسيقى ... والحدث الموسيقيّ يلاحظ ويقع تناوله عبر الوجوه المتعدّدة لذلك الشّكل: بمختلف المجالات الموجودة في علم الموسيقى (التّاريخ، التّحليل، النّظريات، علم الصّوت، الخ......) تلك المجالات – ومناهجها- المكوّنة في اختصاصات البحث العلميّ الأخرى (العلوم الإنسانيّة، علم الطّبيعة، العلوم الصّحيحة)، الفلسفات، الفكر ووجهات النّظر (الماركسيّة، الظّاهراتيّة، البنيويّة، الخ...) والتي تمثّل العديد من رؤى العالم. فمن خلال ذلك جميعا تتكوّن المعرفة الموسيقيّة».

وكما يتبيّن في هذه الإشارة فإنّ علم الموسيقى الحديث في الألفيّة الجديدة أصبح علما شاملا لعديد المقاربات في العلوم الإنسانيّة والعلوم الصّحيحة متجمّعة لبحث الحدث الموسيقيّ في مختلف أوجه وجوده وإمكانيات تغيرّه وتجدّده الدّائم. 

قائمة المصادر والمراجع باللّغتين العربية والفرنسيّة

  • بشّة (سمير)، دعوة إلى الموسيقولوجيا، تونس، منشورات سوتيمديا بالتعاون مع مركز الموسيقى العربيّة والمتوسّطيّة النّجمة الزهراء، 2018.
  • ناتيي (جون جاك)، تمجيد الموسيقولوجيا، السّلسلة الموسيقيّة، ط.1، ترجمة د. سمير بشّة، مراجعة الحبيب بيدة، تونس، منشورات كارم الشّريف، المطبعة المغاربيّة للطّباعة وإشهار الكتاب، أكتوبر 2011.

 

NATTIEZ, Jean-Jacques, Musicologie générale et sémiologie, Paris, Christian Bourgeois Éditeur, « Musique/Passé/Présent », 1987, 400 p.

NATTIEZ, Jean-Jacques, Musiques, une encyclopédie pour le xxiesiècle, ouvrage collectif de référence en 5 tomes, Tome 2 Les Savoirs Musicaux, Arles, Actes Sud, coll. « Cité de la musique », 2003.

NATTIEZ, Jean-Jacques, Musiques, une encyclopédie pour le xxiesiècle, ouvrage collectif de référence en 5 tomes, Tome 5 L’Unité de La Musique, Arles, Actes Sud, coll. « Cité de la musique », 2003.

NATTIEZ, Jean-Jacques, Musicologies nouvelles : voix de ville et airs de cour ; poème symphonique et identité culturelle, Lyon, Éditions Musicales Lugdivine, « Musicologies nouvelles », 2016.


 

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق التربية الموسيقية دوراً فعالاً في التنمية البشرية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM