arenfrfaestr

جميل بشير وحداثة مبكرة في الإندماج "فيوزن" بوصفه شكلاً موسيقياً

علي عبد الأمير

حتى عقد التسعينيات من القرن الماضي ظل شكل موسيقى الاندماج أو Fusion في العالم محصوراً في بعض تجارب الجاز والقليل من الروك والبوب.

وإذا عرفنا أن هذا الشكل يعني اندماج شكلين موسيقيين وصولاً إلى شكل واحد يحدده على الأغلب العرض الموسيقي والهارموني المطلوب بين العازفين الممثلين لشكل أو أكثر من الموسيقى، فأنه عربياً، وحتى عقد السبعينيات من القرن الماضي، لم يكن معروفاً على نحو واسع، بل أن وجود آلات وأنغام من ثقافات أخرى كما في الحان محمد عبد الوهاب والرحابنة لا يعني ترجمة للشكل الجديد: فيوزن، بل هو "تطويع" لقدرة تلك الآلات والأنغام ضمن الامتداد الخطي للموسيقى العربية.  غير أن تجربة لافتة كالتي عنتها خطوة الموسيقار العراقي الرائد جميل بشير (1921-1977) بدت تمثيلاً جوهرياً لما كان قد بدأه موسيقيون مثل الأميركي مايلز ديفز من اتجاه في الاتصال الثقافي والنغمي لأكثر من شكل موسيقي في عرض واحد أو مقطوعة واحدة.

من أين؟ وكيف؟

كانت الدربة التي تحصل عليها الراحل بشير في العزف المتمرس على أكثر من آلة (العود والكمان والأكورديون) قد وفّرت له فسحة نغمية واسعة، فيما كان عمله على التوزيع الموسيقي لمختلف الألحان الشرقية: العربية والكردية والسريانية والآشورية، قد عنى له أن يكون المايسترو الذي يضبط كل هذا الفيض النغمي في إطار موسيقي حديث له صلة بآخر تطورات هذه الصناعة، لا سيما أن جميلاً كان قد أسس ستديو التسجيل الخاص بشركته "بشير فون".

 

 

جميل بشير .. لا تمل موسيقاه ولا رقّته وهو المبتكر للحظة عراقية نادرة. هنا أتوقف مليا عند مقطوعته "أيام زمان".. فأستعيد معها رهافة بيتنا وهي تتألق مع أنغام مقطوعته عبر المذياع، وكم كنت مفتونا بها وأنا صغير، أستعيد لحظة كانت تكثفها برقّة متناهية، لحظة انفتاح البلاد وثقافتها على المعاصرة فهو هنا كان يكتب موسيقى، وهو ملمح جديد على أنغامنا وموروثنا، فضلا عن انفتاحه على موسيقى العالم بثقة كبيرة.

https://www.youtube.com/watch?v=AkuEt5SdhOk&ab_channel=JunaidBashir

لقد انغمس جميل بشير في عمل عضوي وحقيقي مفاده نقل الأنغام الشعبية العراقية من الشفاهية المجردة وخامة الموسيقى والأصوات إلى فضاء التعبير الحديث، عبر وجود الفرقة الموسيقية المحترفة واحترام فن "التوزيع الموسيقي".

هناك اسطوانة فيها (أغنيتان بصوت الراحلة وحيدة خليل) وبإنتاج وتوزيع من رائد الحداثة في النغم الموسيقي العراقي جميل بشير، عبر جهد أنيق لم يتكبر على المتلقي بحجة معرفته الموسيقية الغربية والشرقية العميقة.

قد يكون أعلاه جواباً عن السؤال "من أين"؟  أما الجواب عن السؤال "كيف؟" فهو حين قام الموسيقار الراحل جميل بشير باستعادة البيئات الثقافية والاجتماعية العراقية في عمل واحد على الكمان.

وحين تقول إن في العمل المرفق أدناه للراحل الكبير جميل بشير (1921-1977) شيئاً من روحية الغناء الريفي العراقي الأصيل فأنت على حق.

ولو قلت إن فيه شيئأ من النغم الكردي فأنت على حق أيضاً.

ولو قلت إن فيه شيئا من روحية المقام العراقي (المديني) فأنت محق.

بل حتى لو قلت إن فيه شيئا من "القدود الحلبية" فانت لم تجانب الصواب.

كل هذه البيئات الثقافية- الاجتماعية في عمل قديم تم تسجيله أربعينات القرن الماضي.

لكن ما بدا متصلاً وبشكل حقيقي مع شكل "الإندماج" الموسيقي هو تسجيله عملين لصالح تلفزيون بغداد في ستينيات القرن الماضي مع عازفين على الهارب (ليوناردو فيكارو) والغيتار (جورجيو أوريدس وأمادو بيثوا) ومن ثقافات عدة (الأرجنتين واسبانيا).

 

 

 

 

العمل الأول هو "شلالات" الذي يفيض، لا بقدرة تصويرية هائلة على التدفق الذي تعنيه المياه في الشلالات، بل في روح الهارموني بين الآلات ألشرقية (العود) والغربية، وإنتاج نغم جديد قائم على الاتصال الموسيقي والثقافي.

https://www.youtube.com/watch?v=_BWYOMgdXZQ&ab_channel=buammar

يقول الباحث الموسيقي الأستاذ الدكتور سعد الله أغا القلعة عن "شلالات" جميل بشير بوصفها "مغامرة جمعت أوتاراً من ثلاث قارات وأبرزت دفء الشرق": 

في ذكرى رحيل الموسيقار العراقي جميل بشير، أحد أبرز أعلام المدرسة العراقية في العزف على العود، ومدير قسم الموسيقى في الإذاعة والتلفزيون، أتوقف عند مغامرة خاضها، عندما فكر في أن يجمع ثلاث آلات موسيقية وترية: آلة الهارب الأوروبية وآلة الجيتار في صورتها الأمريكية اللاتينية مع آلة العود المشرقية في صورتها العراقية، وأن يتمكن من إبراز مواطن التميز في آلة العود، نسبة لآلات الغرب.  جاء ذلك عندما زارت فرقة موسيقية أرجنتينية العراق، في منتصف ستينات القرن الماضي، فحفزت في فكره، أن يخوض تلك المغامرة التي كانت غير مضمونة النتائج".

أما العمل الثاني الذي تتجسد فيه روح شكل "الاندماج" الموسيقي، فهو اللحن العراقي الشعبي القديم "جي ما لي والي"، وهنا كان التحدي الذي برز إليه جميل بشير وتفوق فيه أيما تفوق حين جعل المصادر الثقافية والنغمية عبر آلتي الهارب والغيتار تتصل برفق وحنو مع الجذر العراقي المحلي وبسلاسة عجيبة أنتجت لنا نغماً جديداً لكنه لا يتنكر لجوهره الأصلي.

https://www.youtube.com/watch?v=loQJ-xKiLUs&ab_channel=%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82

ذلك درس من دروس الريادة في التحديث، دروس العبقري جميل بشير.


 

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تحقق التربية الموسيقية دوراً فعالاً في التنمية البشرية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM