arenfrfaestr

كتاب جديد لبديع الحاج

صدر مؤخراً كتاب جديد من تأليف الباحث الأب الدكتور بديع الحاج حمل العنوان الآتي: عبد الجليل وهبي: في الشعر، في الإنتاج الفني الإذاعي، في جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى في لبنان.  وخير ما يعرف بمضمون الكتاب المقدمة التي ذيلها بتوقيعه الإعلامي اللبناني المعروف هنري زغيب، تليها مقدمة الكتاب بقلم المؤلف نفسه.  والكتاب صادر عن دار نلسن.

 

 

عبد الجليل وهبي (1921-2005)

 

 

بحثٌ جليل في عبد الجليل

هنري زغيب

 

  بقاءُ التراث عملُ اثنَين: مَن يَحفظُه ومَن يُحافظُ عليه. ولا يَستقيم بقاؤُه إِلَّا بهما معًا: حافظٌ يَرِثُه فيُبْقيه حتى يجيْءَ من يَتَعَهَّدُه، ومحافظٌ يتولَّاه فيكشف ما فيه عرْضًا ومناقشةً وتحليلًا فنَشْرًا. وتاليًا لا أَثَرَ لأَثَرٍ باقٍ في أَدراج أَوليائه ساكنًا صامتًا غيرَ منتشِر ولا منشور.

        الأَب بديع الحاج راهبٌ مرَّتين: ترهَّب لرسالته الكهنوتية متَّجهًا إِلى العَـلْوات الموسيقية، وترهَّب لكشْف تراث لبنان وتقديم أَعلامه ومعالِمه وعلاماته.

        بين يديك الآن سِفْرٌ غَزَلَه المؤَلِّف بـخيوطٍ دقيقة تحت مجهر أَكاديمي يرى إِلى شاعر يكاد يغمره كثيفُ الضباب الذي يمحو من الذاكرة ذكرياتٍ واستذكاراتٍ وكلَّ ذكرى تُـحْـيــي مَن ومَا يجب أَن يبقى في الذِكْر من جيلٍ إِلى جيل.

        هذا الضباب ينقشع اليوم عن عبد الجليل وهبي.

        كأَنْ ليس يكفي شاعر الأُغنية، على حياته، أَن يبقى غالبًا في الظلّ حيال بروز الصوت الذي يؤَدِّي كلماته فــ"يُـجَمْهِر" الصوتُ شعبيةً على حساب النص واللحن، حتى إِذا غاب الشاعر بقي الصوت المؤَدّي في الذاكرة الجَماعية وغار صاحب النص في كثافة النسيان.

        مع الأَب بديع الحاج، يَخرج عبد الجليل وهبي من حضن أَوراقه لدى محفوظات جامعة الروح القدس - الكسليك، ويَظهر على امتداد الصفحات بين يديك شاعرًا متمكِّنًا أَيَّامَ كان يُنتج غزيرًا منوَّعَ الكتابات.

        لا أَذكر من وهبي سوى بضع أُغنياتٍ "يسخو" مقدِّموها بذكْر كاتبها عند إِذاعتها، وكنتُ أَكتفي علْمًا وأَمضي.

        حتى جاءَني هذا الكتاب يفتح لي آفاقًا جال فيها هذا الشاعر وجلَّى. واكتشفتُ فيه ركنًا متينًا من الْكانت يومها "دار الإِذاعة اللبنانية"، بحرصه مع زملاء له يومها على مستوى الأُغنية، وخصوصًا على "لَبْنَنَتِها" فترةَ كانت الأُغنيةُ المصرية ذائعةَ الانتشار، والأُغنيةُ البدوية رائجة الطلب. كان لا بدَّ من تقليص مساحة الاثنَتَين وتوسيع أُفق الأُغنية اللبنانية نصًّا ولحنًا، وهو ما بدأَت طلائعه مع نخبة مباركة ممن آمنوا بالإِرث اللبناني فرصَّعوه ونصَّعوه، في لجنة تشكَّلت لغَربلة النصوص فلا يخترقُها وهْنُ معنى ولا ضعْفُ مبنى.

        واكتشفتُ في نصوص وهبي الغنائية لغةً بيضاء طرَّزَت نصوصه بالمحكية (هو من مؤَسسي "عُصبة الشِعر اللبناني")، ومكَّنَت قصائدَه بالفصحى، خصوصًا بالكلاسيكية المتينة التي لا عمْر لها ولا غروب. وحمَّلها قيَمًا وأَجنحةً طارت بها إِلى قصائد من تراث التاريخ العربي أَو من الإِرث اللبناني المحلي، فتجلَّت ثقافتُه بهما كتاباتٍ كان لها فترتئذٍ وقْعُ الجديد.

        كلُّ هذا ليَظهر ما كان لهذا الشاعر من ثقافة تخيَّرَها ووظَّفها في أَعماله، وجنَّد بها علاقاته، وتحديدًا في پاريس، ليكونَ ركنًا أَولَ في جمعية المؤَلفين والملحنين وناشري الموسيقى (ساسيم)، فيصبحَ أَول رئيس لبناني لها، ويسعى مع زملائه في مجلس إِدارتها إِلى تحصيل حقوق المؤَلفين والملحنين ماديًّا ومعنويًا، نُصرةً لِما يَلْحقهم من غُبنٍ معنويٍّ عندما تُؤَدِّي الأَصواتُ أَعمالهم فلا يُذاع سوى الصوت.

        ويجد مساحةً مثمرةً في المسرح الزجليّ، هذا الفن الذي يتفرَّد به لبنان بين دول الجوار، فيشكِّل في جوقة زجلية صوتًا لافتًا أَدى زجلياته، ارتجالًا وإِعدادًا، من ميكروفون الإِذاعة (جوقة "أَهل الإِذاعة") أَو على المسرح الشعبي (جوقة "الرابطة العاملية")، ما أَغنى نصوصه بفنون الزجل الكثيرة.

        إِلى كل هذا، أَكتشفُ غزارة لافتة في قصائدَ له مغنّاةٍ بلغَت الخمسة آلاف، فأَتصوَّر عدد الأَصوات التي أَدَّتها وتلك التي كان له الفضل في إِطلاقها وهي في أَول الطريق.

        هذا ما يكشفه الأَب بديع الحاج في هذا الكتاب، وهو الخبير الموسيقي الذي، في إِضاءته السابقة على حليم الرومي، قدَّم للمكتبة الموسيقية اللبنانية رائدًا في تراثنا الموسيقي والغنائي، وها هو اليوم يُطْلِعنا على رائد آخر من الأُغنية نصًّا، فتكتمل جهوده بين النص واللحن، في عمل أَكاديمي علْمي يرفده بخبرة وُثقى اكتنَزَها من الفنَّين معًا.

أَكتفي بهذا في مقدمتي، كي لا أُفسِدَ عليك اكتشاف ما في صفحات هذا الكتاب من مُـخبَّآتٍ كشفَها المؤَلف، سيرةً ومسيرةً، بين أَوراق عبد الجليل وهبي ليكونَ له مكان مُـحِقٌّ يستاهله بين أَعلام الشعر اللبناني والأُغنية اللبنانية التي هي نبضٌ ناصعٌ من تراثنا اللبناني.

        صديقي الأَب بديع الحاج: يَسْلم قلمُك الباحث وفكرُك المنهجي.

        ودام جهدك محافظًا دؤُوبًا، ناشرًا أَعلامَ تراثنا ومعالمهم، فما سوى هكذا نحفظ إِرثَنا ونُحافظ عليه ذاكرةً تأْتي من المستقبل لترفدَ جيلنا الجديد بهويةٍ حضاريةٍ تُكَرِّس في وجدانه سطوعَ لبنان اللبناني.

       

                                                                         

 

 

 

 

مقدّمة الكتاب

عبد الجليل وهبي عَلَم كبير في دنيا الشعر الغنائيّ والزجل المنبريّ. كَمْ صدحَ أصواتٌ بأشعاره في رحاب الإذاعة اللبنانيّة في عصرها الذهبي، كما في إذاعة الشرق الأدنى وإذاعات عربيّة عديدة؟ وكم تعلّم جيل من ملاحم تحكي قصص حكماء وعظماء وأناس طبعوا التاريخ بمآثرَ خلّدت بقصائد عبد الجليل وهبي شعرًا، ومن بعدُ بأصوات كبار المطربين غناءً. عبد الجليل، شاعر غزير في إنتاجه، أبدع الشعر في العاميّة اللبنانيّة كما أجاد في الشعر الفصيح. تميّزت شخصيّته بالذكاء وسرعة البديهة، كما بطُرف ملفت يُعبّر عن مُحاور محبّب تجاه الآخر. تميّز بغزارة العطاء مع المحافظة على مستوى رفيع في شكل القصيدة كما في مضمونها.

إلى جانب كتابة الشعر ونظمه، كان عبد الجليل وهبي رائدًا في العالم العربيّ في مجال إنتاج الأعمال الفنيّة وتنفيذها وتسويقها، فجمع بشخصه الفنّان المرهف ورجل الأعمال الرائد. شكّل فريق عمل من شعراء وكتّاب وموسيقيّين وموزّعين وعازفين ومخرجين لينتج أجمل الأعمال بثّت عبر إذاعات عربيّة وعالميّة. شركة جامعة الإنتاج الفني والمؤسّسة الفنيّة العالميّة، شركتان ساهم عبد الجليل وهبي من خلالهما في النهضة الموسيقيّة في لبنان، ومن لبنان إلى العالم العربي ليصل إلى العالميّة. قليلون في زمنه عرفوا أن يوفّقوا بين الإبداع الفنيّ وبين الإنتاج وإدارة الأعمال. فكان سبّاقًا في إرساء وتطوير الصناعة الموسيقيّة والصناعة الإعلاميّة في العالم العربيّ.

نستعرض في هذا الكتاب حياة الشاعر عبد الجليل وهبي وأعماله. أعمال لم تقتصر فقط على الشعر والقصيدة والغناء المنبري، بل تعدّت كل ذلك لتصل إلى الإنتاج. أعماله الشعريّة والأدبيّة لا تختصر بالأغاني التي خصّ بها كبار المغنّين والمطربين في العالم العربي. فهناك الكثير من القصائد التي تحيي شخصيّات من التاريخ، شخصيّات منها أسطوريّة ومنها تاريخيّة. وهدف هذه القصائد استخلاص العبر الأخلاقيّة والاجتماعية والعلميّة والوطنيّة. فأخلاق الإنسان لدى عبد الجليل وهبي كنز لا يمكن أن يستعاض عنه.

كما كان لعبد الجليل وهبي فضل كبير على تأسيس جمعيّة المؤلّفين والملحّنين وناشري الموسيقى في لبنان وبلورة قانونها التأسيسيّ وتنظيمها وربطها بالجمعية العالميّة في فرنسا "ساسيم" (SACEM). هو من دفع إلى التأسيس وناضل في سبيل ذلك وتحمّل الكثير. لكنّه صمد لأجل إيصال هذه الجمعيّة إلى برّ الأمان، ولا تزال حتّى يومنا هذا ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق من ينتسب إليها.

يتناول هذا الكتاب عبد الجليل وهبي في مختلف شخصيّاته أو بالأحرى نشاطاته. نستعرض أوّلًا حياته منذ الطفولة حتّى دخوله معترك الحياة العمليّة في الإذاعة اللبنانيّة. ومن ثمّ ننشر أعماله التي لم تنشر سابقًا، وهي قصائد غير معروفة كغيرها من الأغاني التي اشتهرت بأصوات كبار الفنّانين. وفي قسم ثانٍ سنضيء على شخصيّة أخرى لعبد الجليل وهبي، ألا وهي رجل الأعمال الذي نجح في الإنتاج الفنّي وتسويقه. اِنسحب نجاحه على كثير من العاملين في مجال الموسيقى والشعر والإخراج. كما سنتطرّق إلى موضوع هامّ ألا وهو دور عبد الجليل وهبي في تأسيس جمعيّة المؤلّفين والملحّنين وناشري الموسيقى في لبنان.

والمرجع الأساسي الذي نهلنا منه لإنجاز هذا العمل هو الأرشيف الخاص لعبد الجليل وهبي وقد زوّدتنا به عائلته الكريمة مشكورة. ولا بدّ من ذكر أهميّة جداول البرامج والأغاني مع ذكر المؤلّف والملحّن والمغنّي وبعض الأحيان مدّة العمل، كما جداول الأشخاص الذين تعاونوا معه في سبيل تنفيذ الأعمال التي كان ينتجها من شعراء وكتّاب وملحّنين وموسيقيّين عازفين ومغنّين ومخرجين. وفي الجزء الذي يتناول جمعيّة المؤلّفين والملحّنين وناشري الموسيقى في لبنان، نجد جداول المنتسبين لهذه الجمعيّة كما للمنتسبين للجمعيّة العالميّة في فرنسا.

نظرًا لورود ذكر كثير من الشخصيّات التاريخيّة في قصائد عبد الجليل وهبي المنشورة في هذا الكتاب، اعتمدنا التعريف بهذه الشخصيّات لكي يسهل على القارئ فهم المواضيع المعالجة في هذه القصائد. وتفاديًا لتكرار التعريف بالشخصيات المذكورة مرّات عدّة، اعتمدنا التعريف بها في نهاية الكتاب في "الهوامش" مع الإشارة برقم دليل يدلّ على هذا التعريف. كما اعتمدنا شرح الكلمات أو ذكر ملاحظة تخصّ قصيدة دون غيرها بالإشارة إلى ملاحظة في أسفل الصفحة مع نوعيّة ترقيم مختلفة عن الهوامش في آخر الكتاب.

لتسهيل قراءة القصائد بشكل صحيح وفهمها، كما للحفاظ على وزن الشعر وإيقاع الكلمة، لقد عمدنا إلى تشكيل الكلمات. فالقصائد التي حصلنا عليها هي مطبوعة على آلة الدكتيلو وهي غير مشكّلة. مع الإشارة إلى أنّ قصائد عبد الجليل سهلة التلحين، ويعود ذلك إلى احترام إيقاع الكلمة والوزن الشعري. وقد أشار أكثر من مصدر بأنّ عبد الجليل وهبي كان عنده إلمام بالموسيقى. وقد استحقّ لقب "شاعر الأغنية"، فالشعر العربيّ بالأساس هو شعر مغنّى بغالبيّته.

كما قمنا بشرح الكلمات العربيّة النادر استعمالها في اللغة العربيّة المعاصرة وهذه الكلمات أو التعابير تنتمي إلى الحضارة العربيّة القديمة، وقد تميّز عبد الجليل وهبي باستعمالها وذلك لتبقى القصائد أمينة للحقبة التي تحاكيها. وهذا الأمر يدلّ على ثقافة عبد الجليل وهبي الغنيّة، كما على تمكّنه من اللغة العربيّة الفصحى وقدرته على مزج الفصحى والعاميّة في عمل واحد.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الثلاثاء, 01 شباط/فبراير 2022 17:37
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساعد الموسيقى على التركيز في دراسة طلبة الجامعات وتلامذة المدارس؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM