arenfrfaestr

حياة تشيروبيني الفاخرة[1] (بتصرف)

تشيروبيني (1760- 1842)

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل

ولد هذا المؤلف الموسيقي ذو الأسماء الخمسة (ماريا- لويجي - كارلو - سالفَادور - تشيروبيني Cherubini) في فلورانسا موطن لُوللي يوم 14 سبتمبر 1760. حينها كان عمر موزارت أربع سنوات، وبعدها بعشر سنوات أخرى ستكون ولادة بيتهوفَن.

إنه الابن العاشر لأب كان عازف كمان في مسرح بركَولا المتواضع. تعلم الصولفيج وهو ابن ست سنوات، وتعلم الكونتربوان (الطباق اللحني) وهو في التاسعة، ولما بلغ الثالث عشرة كتب "قداسا" دينيا لكنيسة الحي الذي يقطن فيه، وفاصلا لحنيا intermède لمسرح المدينة. كان ذلك كافيا ليحفز "ليوبولد" دوق "توسكانا" على إيفاده إلى البندقية حيث قضى ثلاث سنوات من 1777 إلى 1780 في دراسة علوم الموسيقى.

ما كاد الفتى يبلغ العشرين من عمره حتى دخل عالم التأليف من بابه الواسع، وهكذا ألف على التوالي "خماسية فابيو" Quinto Fabio في 1780، و"هادريان في سوريا" Adriano in Siria في 1781، و"مسينزيو" Mesenzio   في 1782، و "آرميدا" Armida في 1783، و " آليساندرو نيلل إيندي" nell' Indie Alessandro (الاسكندر في الهند) في 1784.

 بعد ذلك وافته دعوة من مدينة لندن حيث قدم خلال عامي 1785 و1786 على التوالي كلا من " فينتا برانسيبيسّا" Finta Principessa و"جويليو سابينو Guilio Sabino. وقد كان له بهذه المدينة لقاء مع عازف الكمان الإيطالي فَيوتي Viotti الذي أقنعه بالانتقال إلى باريس. وفي هذه المدينة تعرف على واحد من أبرز شخصياتها، إنه ليونارد آنتيي Leonard Antié حلاق ملكة فرنسا ماري آنطوانيت، والذي سيصبح وشيكا مديرا للمسرح الغنائي بالعاصمة الفرنسية.  وسرعان ما نشات  بين الرجلين صداقة متينة كانت بحق هبة سماوية مباركة بالنسبة لصاحبنا، وكان من  ثمراتها تقديم خمسة عروض بمسرح فايدو Feydeau الذي أصبح بفضل رعاية الملكة ينافس دار الأوبرا كوميك، وذلك بمصاحبة أوركسترا يقودها فَيوتي بنفسه؛ وقد امتدت العروض الخمسة من 1917 وحتى 1800، وكان من أكثرها روعة "أوبرا "لودويسكا" الهزلية Lodoiska، و"يومان" أو "الساقي"Deux Journées ، هذه الأوبرا التي نوه بها الشاعر الألماني يوهان جوته والمؤلف الموسيقي الألماني فَيبير: أما الأول فلجمال نصها الأدبي، وأما الثاني فلروعة موسيقاها.

يقول الشاعر الفرنسي فَكتور هوجَو: ليس هناك شيء يصيبه الذبول بسرعة مثل الموسيقى، وهذا شيء يرى البعض أنه ربما انطبق على "لودويسكا" Lodoiska، غير أن هذه الأوبرا لا تخلو في الواقع من مقومات النجاح التي هي القوة والجلال ومتانة الصياغة.

لم يكن بونابارت - قبل توليه سلطة الأمبراطورية - يُكِنُّ التقدير لتشيروبيني، فقد قال له يوما: "إن موسيقاك تثير الصخب"؛ فرد عليه بقوله: "أما أنت سيدي فإنك لا تهوى من الموسيقى غير التي لا تمنعك ألحانها من التفكير في المعارك". وسوف يصدر الأمبراطور وشيكا لائحة "جوقة الشرف" خالية من اسم تشيروبيني فيصاب بخيبة أمل يعاني بسببها غير قليل من الانهيار العصبي.

وعلى الرغم من كل هذا لم ينقطع صاحبنا عن الكتابة، فبدعوة وافته من فَيينا سنة 1805 ألف رائعته "فانيسكا" Faniska من ثلاثة فصول، وجرى عرضها في شباط/فبراير من السنة الموالية بمسرح باب كارينتي Porte de Carinthie.

وفي تشرين ثاني/نوفبر من نفس السنة وافته دعوة أخرى من مدينة براغ حيث أسندت إليه مهمة توشيح المؤلف النمساوي جوزيف هايدن بوسام الذهب الشرفي بمناسبة تكريمه.  ولأن هايدن كان يريد التعبير عن شكره لصاحبنا فقد جلس إلى آلة الكلافَسان وانطلق في عزف بعض الارتجالات، فكان اللحن الأول رائعا، ولكن سرعان ما نابه الاضطراب، فتوقف عن الارتجال، وغمرت الدموع عينيه، فتنهد في حسرة ثم قال: "هيا إذن، لم يبق أمامي إلا أن أودع الحياة."  وسيودع هايدن الحياة بالفعل بعد عشر سنوات، ويومها يودعه صاحبنا بقداس.

وسوف تهيئ الظروف لتشيروبيني أن يقترب من الأمبراطور نابوليون بعدما استقر في "شوانبرون" Schönbrunn وأوصى بتعيينه مسؤولا عن تنظيم أنشطته الترفيهية الموسيقية. وقد شكلت هذه الوظيفة مناسبة فريدة لكسب رضى الأمبراطور، غير أن صاحبنا فوت على نفسه الاستفادة من  جدواها؛ فلما كانت سنة 1807 حل الامبراطور بمدينة دريسد، ثم عين المؤلف الإيطالي "فرديناندو بايير  Ferdinando Paer مديرا للموسيقى بقصره، وشرفه بحضور عرض قدم فيه أوبرا "أشيل"   Achille، حينها لم يطق تشيروبيني صبرا أمام هذا الحدث، فقرر التخلي عن مهمته كمنشط، وكاد اليأس أن يشل نشاطه الفني لولا أن تداركته الكانتيسا الحسناء تيريسا كاباروس  Thérésa Cabarrus، وهي المرشحة للحظوة بلقب "الأميرة"، فألحقته عاملا موظفا بمقر إقامتها؛ ثم كانت المفاجأة في يوم من أيام تشرين الثاني/نوفمبر 1807 حين طرقت أسماع نزلاء الإقامة ألحان "قداس" جديد سرعان ما احتضنته مسارح باريس ولقي فيها نجاحا منقطع النظير.

ويلملم تشيروبيني خيوط إلهامه، فيشهد ربيع سنة 1813 ميلاد عمل يحمل اسم "بنو سراج أو أمير غرناطة"les Abencérages ou l' Emir de Grenade، وهي أوبرا في ثلاثة فصول ذات طابع استشراقي بناها على نص شعري من وضع "إيثيين جويي" Etienne Jouy(1764 - 1846)  تحكي قصة سقوط حاضرة  غرناظة في يد الإسبان.

وتمضي الأيام بعد ذلك رتيبة حتى إذا حلت سنة 1816 عينه لويس الخامس عشر مشرفا على الكنيسة الملكية، ثم بعد ذلك بست سنوات مديرا للمعهد الموسيقي الملكي، ولكن صاحبنا - وهو يشارف العقد السابع من عمره - كان يحس بأن المنة الملكية جاءت في غير وقتها المناسب.

وها هو اليوم يقطن في حي من أحياء باريس العتيقة، وقد تقدمت به السن، فانحرف طبعه، وغدا كثير العبوس، ميالا إلى الفظاظة وسرعة الغضب، منطويا على نفسه، متذمرا يحكي القط الذي أكره على ابتلاع الخردل.

وفي الخامس عشر من آذار/ مارس 1842 ودع تشيروببني الحياة، ولكنه لم يودع قلوب عشاقه، فقد كان بتهوفَن يحله المقام الأول من بين معاصريه، مثلما أنه استفاد من أسلوبه في تلحين أوبرا "فيديليو". أما شومان فقد كان يحله الرتبة الثانية ما دام بتهوفن على قيد الحياة، فلما رحل منحه الرتبة الأولى من بين معاصريه الأحياء.  وفيما كان فيبير يكاد يضع أوبرا "اليومان" في صدارة كل ما كتب للمسرح، كان مندلسون يرى أن "قداس فا الكبير" يفضل سائر ما كتب للكنيسة. 

 


[1]  José Bruyer, Revue MUSICA n° 77, septembre 1960, imp. CHAIX ( seine), pp 24-28

Rate this item
(2 votes)
Last modified on الخميس, 03 آذار/مارس 2022 10:50
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساعد الموسيقى على التركيز في دراسة طلبة الجامعات وتلامذة المدارس؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM