arenfrfaestr

محمد وردي: نهر السودان الخالد

محمد وردي

 

د. كمال يوسف علي (السودان)

الفنان محمد عثمان حسن وردي (1932 – 2012)، وكلمة فنان أصبحت اصطلاحاً مُتعارفٌا عليه في السودان للإشارة إلى الفنان المُغني، إذ أول ما يتبادر إلى الذهن عند النطق بهذه الكلمة أن ما سيليها اسم واحدٍ من المطربين السودانيين: الفنان إبراهيم الكاشف، الفنان عثمان حسين؛ والقائمة طويلة.  ومحمد وردي ممن يتصدرون هذه القائمة، فهو موسيقارٌ شامل؛ عُرِف كمؤلفٍ لألحان أغنياته وبعض الأغنيات لغيره من زملائه المطربين، كما أنه مُغنٍ حفر بصوته عميقاً في ذاكرة المستمع السوداني ووجدانه؛ إلى جانب جُمهورٍ عريض من المستمعين على نطاق شرق أفريقيا ووسطها وغربها، وذلك على مدى نصف قرنٍ من الزمان إذ بدأ مشروعه الغنائي في شكله الاحترافي مع إجازة صوته في الإذاعة السودانية في العام 1957، وهو عازفٌ مُجيد على آلتي العُود والطمبور[1]، فالعُود العربي قد تمت سودنته وصار الأداة الأساسية التي يعتمدها الموسيقيون السودانيون في وضع ألحانهم ومصاحبة أدائهم الغنائي بها؛ سواءَ كان ذلك على مستوى الأداء الفردي المُصاحَب بالعُود، أو كان بوصفه آلة من آلات الفرقة الموسيقية.  أما الطمبور فهو الآلة الشعبية السودانية التي تعود جذورها إلى الحضارة النوبية في شمال السودان منذ آلاف السنين، وما زال موجوداً ومنتشراً في كل أرجاء السودان وعند مُختلف ثقافاته وأعراقه على تعددها، هذا إلى جانب كونه شاعراً عظيماً بلغته الأُم وهي اللغة النوبية التي تتحدثها القبائل التي تحمل نفس الاسم في أقصى شمال السودان وحتى شماله الأوسط، حيث تعود جذور محمد وردي إلى تلك المنطقة، فقد وُلِد في جزيرة (صاي) على النيل في التاسع عشر من شهر يوليو عام 1932، ونشأ وتربى في تلك البيئة الخضراء وسط أهله الذين يعتزون كثيراً بأصلهم النوبي الضارب في جذور حضارات السودان القديمة، فكانت اللغة والغناء والحياة الاجتماعية والطبيعة وآلة الطمبور هي العناصر التي رسمت شخصية محمد وردي الفنية.  ولما كان التعليم  المدرسي النظامي يقوم على اللغة العربية فقد شكّلت بذلك عنصراً إضافياً على مكونات تلك الشخصية؛ هذا إلى جانب اللهجات الدارجة لتلك اللغة عند أهل السودان في مختلف مناطقه ومنها المنطقة التي نشأ فيها.

حمل محمد وردي كل تلك المكونات وحضر إلى الخرطوم عاصمة السودان ومركز إشعاعه الثقافي حيث أن الإذاعة السودانية هي الجهاز الذي يربط أطراف السودان المختلفة ببعضها البعض لجهة الأخبار والمعرفة والتبادل على مستوى الأدب وفنون الموسيقى والدراما الإذاعية، فكانت هي المحطة التي لا مناص من الانطلاق منها بالنسبة لكل من سار في درب الاحتراف في فنون الغناء والموسيقى بخاصة.

كان حضور وردي إلى الإذاعة السودانية في العام 1957 بدايةً لمشوارٍ دمغه هذا الفنان بجديةٍ والتزامٍ منذ الوهلة الأولى، فبعد أن كان قد عمِل في سلك التدريس في المدارس الابتدائية لعدة سنوات، فضّل التفرغ التام لعمله الموسيقي، فما فتئ أن قدم أغنياتٍ فنية خرجت عن نطاق الأغنية الدائرية البسيطة ذات الطابع الشعبي، فسجّل للإذاعة السودانية أغنية (لو بهمسة) في العام 1958 وقدم فيها جُملةً من الأفكار الموسيقية المتنوعة من انتقالات مقامية وإيقاعية؛ وتنوعٍ على مستوى الألوان الصوتية لآلات العُود والكمان والزايلفون في حواراتٍ متعددة مع الفرقة الموسيقية، وتراوح فيها أداؤه الصوتي ما بين التمهيد بالأداء الإلقائي والأداء الغنائي المتنقِّل بين مختلف مساحات صوته المُصنّف في طبقة التينور.  وقد كانت تلك الأغنية بمثابة وضع وردي لمشروعه الموسيقي الغنائي في مسار التجديد والتطوير وابتكار الأفكار ومحاولة وضع بصمةٍ خاصة في خضم ما كان يعتمل في ساحة الموسيقى والغناء السودانية التي كانت تزخر بأسماء الكِبار من المؤلفين والمطربين السودانيين، وما لبث أن أضاف عليها مزيداً من الأعمال الكبيرة حيث قدّم في العام 1962 أوبريت (يقظة شعب) وهي أغنيةٌ وطنية تتغنى بمفاخر السودانيين وتعدد أعراقهم وتنوعها الثقافي، فكانت تلك بمثابة تطوافٍ على مختلف أنماط الضروب الإيقاعية السودانية والأساليب الأدائية في مختلف ثقافات السودان حتى يتمكن من خلق نصٍ موسيقيٍ موازٍ للنص الأدبي المحتشد بكم كبير من الصور المتنوعة؛ فكان ذاك العمل بمثابة نقلةٍ نوعيةٍ وطّدت أكثر لتجربة وردي والتي لم يتجاوز عمرها السنوات الخمس في حقل احتراف العمل الموسيقي.  بعد ذلك تواصل المشروع الموسيقي الغنائي لمحمد وردي على ذات المنوال من الاحترافية على مدىً ينيف على نصف القرن من الزمان؛ قدم خلاله وردي الأغنية الدائرية الصغيرة ذات الإيقاعات الخفيفة الراقصة مثل أغنيات (ما تخجلي، عذِّبني، نور العين، يا ناسينا، أنا مجنونك) وقائمة طويلة من هذا النوع إلى جانب الأغنيات الكبيرة والتي قد يبلغ طولها العشرين دقيقةً أو يزيد، ومن تلك أغنيات (الطير المهاجر) باللغة العربية الدارجة لأهل وسط السودان، وأغنيات (مرحباً يا شوق، الحبيب العائد) باللغة الفُصحى وقائمة طويلة كذلك من هذه النماذج.

منذ منتصف السبعينات، بدأ وردي في تقديم أغنياتٍ بلغ طولها الأربعين دقيقة أو ينيف، وكانت البداية بأغنية (جميلة ومستحيلة) ثم (الحُزن القديم، ووردة صبية) وكلها وغيرها من أغنياتٍ كانت على نفس النمط وبمثابة مساحاتٍ جرّب فيها محمد وردي كل ما عنّ على باله من أفكارٍ موسيقية على مستوى الانتقالات اللحنية والمقامية والتنوّع الإيقاعي؛ وتوظيف الآلات الموسيقية بمختلف ألوانها الصوتية.  وإلى حدٍ كبير، يعود إلى وردي الفضل في إبراز وتقديم بعض الآلات الحديثة مثل آلات الجيتار والباص جيتار الكهربائية، حيث كان ينحصر استخدام هذه الآلات في حقل الفرق الموسيقية التي تُقدم موسيقى ما اُصطلح عليه باسم (فرق الجاز) والموسيقى الغربية منذ منتصف عقد ستينيات القرن العشرين تقريباً، فعمل وردي على استقطاب عازفي هذه الآلات وبدأ تجربة العديد من أساليب توظيفها في موسيقاه، كذلك لم تكن آلة الفلوت واضحة الصوت في تسجيلات الإذاعة السودانية أو في الحفلات الموسيقية؛ بل كانت آلة البيكولو (الفلوت الصغير) هي المستخدمة منذ مطلع الخمسينات، لكن ومع بداية تخرّج الموسيقيين في معهد الموسيقى والمسرح في مختلف التخصصات ظهر بعض العازفين على آلة الفلوت؛ فكانت بمثابة اللون الصوتي الجديد الذي لفت انتباه محد وردي إليه فأفرد لها مساحاتٍ للأداء المنفرد بصوتها البراق في طبقتها العليا والشجيّ في الدنيا، فكانت بمثابة إضافة لونٍ صوتي جديد في الثقافة الموسيقية السودانية الحديثة التي يُعد محمد وردي من أركانها بما قدمه فيها من إسهامٍ فكري وإبداعيٍ رصين في رحلة طويلةٍ نذَر لها نفسه تماماً.

وبالنظر إلى المضمون الأدبي لجملة ما قدمه محمد وردي من أعمال غنائية، نستطيع أن نقف على تَناولِه للغناء العاطفي بمختلف مواضيعه من غزلٍ وشكوى ومناجاة وغير ذلك، لكن من أبرز ما ميز مشروع وردي الغنائي هو الغناء الوطني الذي تغني فيه بالسودان وبتنوعه وبقضاياه الاجتماعية، هذا إلى جانب الغناء ذي الطابع السياسي الذي واكب فيه وردي مجرى الأحداث السياسية ومن أبرزها نَيْل السودان لاستقلاله في العام 1956م وثورة (أكتوبر 1964) التي أطاحت بأول نظام حكمٍ عسكري في السودان، حيث تغنى وردي بأغنياتٍ مجدت الثورة والشعب السوداني وأحلامه في الحياة الديمقراطية والتنمية والرفاه.  كذلك عُرِف محمد وردي كمناضلٍ سياسي طوال حقبة النظام العسكري الثاني الذي امتد من أيار/مايو 1969 إلى نيسان/أبريل 1985، فكان أن ناصبه العداء ولم يسلم من الزج به في سجون النظام الأمر الذي كان سبباً في عدم تمكّنه من إكمال دراسته في معهد الموسيقى والمسرح.  أيضاً، تغنى وردي بزوال هذا النظام في 1985 بأغنياتٍ كبيرة صارت ملهمة للشعب السوداني وهو ينشد الحرية ويحلم بوطنٍ ديمقراطي تسوده العدالة الاجتماعية والوعي.  وقد رافق وردي في صياغة وبناء هذا المشروع عدد كبير من الشعراء السودانيين الذين سطروا له نصوص كل هذه الموضوعات بصدقٍ فنيّ عالٍ أسهم بقدر كبير في ترسيخ تجربة وصوت وألحان محمد وردي في الذاكرة والوجدان السودانيين.  وإلى جانب هذه الأنماط الغنائية التي كانت مسموعة من كل السودانيين والعديد من مواطني دول الجوار الأفريقي؛ فقد قدّم وردي عدداً كبيراً من الأغنيات بلغته الأم التي يحتاج بقية السودانيين إلى ترجمتها إلى اللغة العربية لفهم معاني كلماتها.

رحل محمد وردي في الثامن عشر من شهر فبراير 2012 عن ثمانين عاماً ظل يُنتج فيها الجديد حتى سِنيها الأخيرة، وعَمَّر جُلها بوعيٍ تام بمشروعه الفني الذي اتسم بعمقٍ فكري وخصائص وسمات فنية جعلت منه نهراً خالداً ينساب في حياة السودانيين أنى ما بحثوا عن أغنياتٍ تعبر عن أحوال العاطفة المتباينة، أو متى ما نشدوا الرفعة والسمو وراودتهم أحلام بناء الوطن وتقدمه، مشروع استصحب فيه وردي أجيالاً من الشعراء والموسيقيين والفنيين لإنتاج مفرداته، كما طرحه على أجيال السودانيين منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين وسيبقى لأجيالٍ قادمةٍ ما فتئت الناس تسمع الموسيقى والألحان والغناء.  


[1]  الطمبور آلة وترية مكونة من خمسة أوتار تُشدُ على صندوقٍ مُجلّد وتمتد إلى عارضةٍ خشبية عبر فراغٍ بين ذراعين من الخشب، ومنها أُخذت آلة الليرة اليونانية، وهي موجودة في حضارات العراق القديم والحضارة الفرعونية.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 31 آذار/مارس 2022 08:17
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساعد الموسيقى على التركيز في دراسة طلبة الجامعات وتلامذة المدارس؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM