arenfrfaestr

"ذهب نهر الرين" لـ ريتشارد فَاغنر(بتصرف)[*]

ريتشارد  فَاغنر

 

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

المؤلف الموسيقي ريتشارد  فَاغنر

من مواليد مدينة لايبزك بألمانيا سنة 1813.  تعلق بالفنون منذ حداثة سنه، ولم يكن له من معلم غير نفسه وتجاربه في الحياة كما قال لاحقا.  تحمس في البدء لهوميروس وشكسبير، غير أن ميولاته الفطرية حولته للموسيقى، فعلقت نفسه بأعمال فَيبير Weber  قبل أن تجنح به إلى روائع بتهوفن.

ما أن عين قائدا لإحدى الفرق الموسيقية حتى علق قلبه بفتاة تمارس التمثيل فأقدم على الزواج بها، غير أن هذه العلاقة شابها التوتر بسبب ما كان يكتنفها من مشاكسات  وخصومات لا تكاد تنقطع إلا لتعود من جديد.

انتقل فاغنر إلى باريس حيث كانت الشهرة يومئذ للمؤلف فَيبير، فتبخرت أحلامه التي كان يطمح إليها، وعاش ساعات عصيبة عانى فيها الفقر والعوز لولا مبالغ زهيدة كانت تدرها عليه بعض المقالات الأدبية والفنية التي تنشرها بعض الصحف.  وأحس – وهو تحت وطأة الغيظ – كأنما يتلاشى زَهْوُهُ أمام مشاعر الإذلال التي تجتاحه. إنه مزاجه الجرماني الذي نجد نظيره عند نيتشه يثير فيه مشاعر الكراهية تجاه فرنسا التي ظلت بعيدة عن أن تخترق طبعه العنيف.

وحل اليوم العشرون من سنة 1842، فانتهى من كتابة خاتمة أوبرا "ريانزي" Rienzi  فشد الرحال إلى درسدن  (Dresden)   حيث جرى عرضها ولقي نجاحا كبيرا بدد همومه وأعاد الابتسامة إلى محياه.  ثم ما لبثت إدارة المسرح أن قدمت "الهولندي التائه" التي كتبها خلال رحلته بين انكَلترا وفرنسا على متن الباخرة الهولندية، فلقي العرض من النجاح ما حمل فَاغنر إلى منصب رئيس القسم الموسيقي التابع للكنيسة، على أن يشغل هذا المنصب مدى الحياة. 

ولأنه كان متحمسا لمبادئ الثورة الفرنسية فقد جنح به طبعه إلى أن يشارك في الاضطرابات التي نشبت خلال عامي 1830 و1848 وأن يتحمس لأفكار الثائر الروسي الأصل ميخائيل باكونين، ويحرض الناس في مدينة درسدن على الانضمام إلى صفوف هيئة الاتحاد الوطني.  فلما تدخل الجنود البروسيون ودمروا الجموع الشعبية الثائرة، صدر أمر الملك بإلقاء القبض عليه، وعزله من الوظيفة التي كان يشغلها، فلم يجد بدا من مغادرة البلاد والفرار إلى سويسرا.  حيث سيستقر لفترة من حياته أقدم فيها على التأليف بشغف كبير. وتعرف ذات يوم على الشاعرة آنييس ماثيلد زوجة تاجر الحرير أوتو ويزيندونكَ، فكانت بعض أشعارها مصدر استلهام "تريسان وإيزولت Tristan et Isolde.  

إثر ذلك عاد فاغنر إلى ألمانيا مستفيدا من قرار العفو الذي صدر بحقه بعد فراق دام خمسة عشر عاما،  فتزوج بـ "كوزيما ليست" ابنة المؤلف الموسيقي "فرانز ليست" التي كان يعتبرها بمثابة الرفيقة المثلى. وبعد جهد حثيث استطاع أن بفرض أعماله وأن يبني مسرحا في بايروث" عام 1876، لعرض أعماله.  ومنذئذ أصبح هذا المسرح رمزا لجوهر فنه، وتلك كانت بداية انتصاراته التي كللتها خاتمة مؤلفاته: أوبرا "بارسيفال".

وفي سنة 1883 فارق فَاغنر الحياة في البندقية حيث كان يقضي فصل الشتاء. 

 

 

أوبرا "ذهب نهر الرين"

في وسع الناظر في مؤلفات ريتشارد فَاغنر الموسيقية أن يصنفها في ثلاث مراحل كبرى:

  • تأتي في البداية مرحلة التقليد حيث يبدو شديد التأثر بالأسلوب الإيطالي عبر فَيبير وبيتهوفَن. وفيها ألف "الجنيات" Les Fées و"دفاع الحب" La Défence d’aimer و"ريانزي  Rienzi.
  • وتنطلق المرحلة الثانية مع "السفينة الشبح" Le Vaisseau fantome لتكشف عن توجه في الكتابة يقضي بالتخلي عن الموضوعات التاريخية الرتيبة وتناول الأساطير الشعبية التي ترتفع بالدراما إلى مستوى معركة ذات طابع عام بغية إدراك مرتبة الخلود الإنساني. وتتميز هذه المرحلة بسبق فَاغنر إلى استعمال "اللحن الدال" Leitmotif في أعماله الأوبرالية، كما تتميز برائعتيه: "تانهاوزر" Tannhauser سنة 1854 و"لوهانغرين" Lohengrin سنة 1846، وهما عملان يعكس كلاهما استحالة أن يظل الإنسان بحكم طبيعته التشاؤمية قادرا على الوفاء المستمر للنزاهة البريئة.
  • أما المرحلة الثالثة فهي التي بلغ فيها صاحبنا درجة النضج ليتدفق إنتاجه غزيرا من خلال روائع من بينها: "خاتم نيبيلونكَ" L’Anneau du Nibelung أو "الرباعية المسرحية" Tétralogie : ذهب نهر الرين L’OR Du Rhin و"الفَالكيري" La Walkyrie و"سيغفرد" Siegfried  و"شيخوخة الآلهة" Le Crépuscule des dieux؛ هذه الأعمال التي تطرح قضايا فلسفية، وتكشف عن سلطة الذهب، وعن الصراع بين الوثنية والديانة مما يمنحها عمقا في الطرح غير مألوف.  أما ملحمته الشعرية "تريستان وإيزولت" Tristan et Isolde، وملهاته الخرافية "النصابون" Les Maitres chanteurs فهما يزجان بالمؤلف في مسالم متباينة، بينما تكشف أوبرا " بارسيفال" Parsifal التي انتهى من كتابتها سنة 1882 عن عمق المعركة الأزلية بين الشهوة والشعور الديني.

ويبقى همه الأكبر بعد كل ذلك أن يخلق وحدة حميمية بين الشعر والموسيقى والحركة تكون على مثال التراجيديا العتيقة.

التحليل

تحتل افتتاحية "نهر الرين" موقع المقدمة من "الرباعية" التي تتوالى حركاتها الأربع دون توقف فتكشف عن مصدر الذهب وعن الآثار الأولى للعنة المرتبطة بهذا المعدن المفسد.

وعبر المياه المتحركة في النهر تسبح ثلاث حوريات مكلفة بحراسة السبيكة الذهبية المودعة في حضن المياه، وهن في غمرة الإنشاد.  يتقدم منهن ألبيرتش Alberich القزم الماكر محاولا نيل رضاهن، حتى إذا فاز ببغيته  كشفن له عن موقع الخاتم الذهبي الذي يمنح مالكه قوة خارقة، شريطة أن يعلن عن تنكره للحب. وما كاد ألبيرتش ينتهي من تلاوة نص القطيعة مع الحب حتى أصبح يتحكم بالخاتم السحري.

في اللوحة الموالية يظهر على قمة الجبل قصر الآلهة "والهال" Walhal الذي شيده  العملاقان "فالسوت" Falsot و"فافنر" Fafner بأمر من الإله "ووطان" Wotan. ومن أجل مكافأتهما وعدهما الفوز بـ "فرييا" Fréia إلهة الحب، غير أنهما آثرا التنازل عنها شريطة حصولهما على الخاتم الذهبي.  حينها قصد ووطان بمعية لوج Loge إله النار القزم ألبيرتش لاستلام الخاتم منه، فامتنع وتحول بفضل خوذة سحرية كان يرتديها إلى تنين، ثم إلى ضفدع، غير أن سحره انقلب عليه، فلم يجد من سبيل إلى الخلاص من شر الإلهين غير التنازل عن الخاتم بعد أن رماه باللعنة، هذه اللعنة التي تطاير شررها ليشعل فتيل الخلاف بين العملاقين الذي سرعان ما تحول إلى صراع انتهى بتوجيه ضربة مميتة أودت بحياة "فالسوت" ليكون الضحية الأولى في مسلسل ضحايا المعدن الملعون.

يتقدم دونير Donner، فيلم شتات الغيوم المتفرقة، ثم يمزقها بضربة من مطرقته تكشف عن قوس قزح الذي ينير السبيل المفضي إلى قصر والهال.  وبينما يتجه الآلهة إلى القصر، يتنبأ "لوج" بنهايتها.  وعلى مسافة بعيدة تندب حوريات البحر مصير الذهب وهي ترجع في حزن وأسى أنشودة الفصل الأول.  وينتهي المشهد بعرض تأليهي رائع يبدو فيه الآلهة وهم يتجهون صوب القصر على هدي من ضياء قوس قزح.

بالإضافة إلى الحمولة الفلسفية للقصيدة المستوحاة من أساطير "نيبيلونغ"، تتمتع هذه الأوبرا بجمال خارق ينبئ  عن امتلاك فاغنر لعبقرية كاملة، وقدرة على توظيف نظرياته بمنتهى الصرامة حول العلاقات التي يتعين أن توحد بين الشعر والموسيقى.  لقد اختفت إلى الأبد تلكم التأثيرات التي وسمت بعض أعماله، وها هو فاغنر بكل ثقله حاضر في "ذهب نهر الرين" من بدايته وحتى النهاية.

في هذا العمل الموسيقي الذي يستعرض الأفكار الأساسية للتترالوجيا الرباعية تحتل "الكلمة" مقام الصدارة، ويزيد من وقعها وقوتها جودة الإلقاء المعبر؛  ثم يأتي "اللحن الدال" بكل حمولته الموسيقية ليرسم الملامح المميزة لشخوص الدراما ويعلن عن وجودهم حتى ولو لم يمثلوا على خشبة المسرح، فيجري استعماله بشكل منهجي، تساهم من خلاله الفكرة السائدة في إثارة تداعيات الحدث الدرامي وبلورته.


[*] Max Pinchard – Revue Musica n° 78 – septembre 1960 imp Chaix (Seine) pp 32 - 33

 

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 31 آذار/مارس 2022 08:16
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساعد الموسيقى على التركيز في دراسة طلبة الجامعات وتلامذة المدارس؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM