arenfrfaestr

أسلوب منير بشير على آلة العود

منير بشير

د. علي مشاري (العراق)

تعتبر آلة العود من الآلات الموسيقية الرئيسية المرافقة لغناء المغني أو الملحن أو مرافقة للفرق الموسيقية منذ القدم.  وقد كانت ذات إمكانات محدودة في استخدامها كآلة مصاحبة للمغني، ومشتركة مع التخت العربي، ولا تتعدى أداء بعض الجمل الموسيقية البسيطة أو تقاسيم ارتجالية محدودة ترتبط بالغناء المرتجل قبل غناء المقام العراقي أو الموال.

في النصف الأول من القرن العشرين وتحديداً عام 1936، أُسس أول معهد موسيقي في بغداد (سميّ في ما بعد بمعهد الفنون الجميلة) بإدارة "الشریف محيّ الدین حیدر" الذي جاء من تركيا بطلب من الحكومة العراقية.

اختص المعهد آنذاك بتدريس آلتي العود والكمان ونظريات الموسيقى عامة.  وبعد تخرج الدورتين الأولى والثانية، أصبح لهذا المعهد كيان موسيقي خاص بشكل أكاديمي علمي.  فضلاً عن قيامه بتدريس معظم الآلات الموسيقية والقوالب الموسيقية العربية الآلية (البشر، السماعي، اللونغا، الكابريس، الخ ...).  وهذا ما شكل بداية حقيقية للتأليف الموسيقي في العراق وفق هذه القوالب، ودخول تقنيات جديدة في العزف، ما أعطى فرصة كبيرة لآلة العود بأن تحتل مكانة كبيرة، ولا سيما بعد أن تغيّر الكثير من ملامح العود المستخدم وتسوية أوتاره.  إلى جانب استخدام أوضاع العود المختلفة (positions) والتقنيات الحديثة الأخرى.

حين برعت نخبة من عازفي العود في تلك الفترة، شهدت هذه الآلة نقلة نوعية تميّزت بجودة العزف وخصوصية الأسلوب.  بعضهم لم يتوانَ في إدخال التعديلات والإضافات واستنباط المناهج الخاصة، وأتى هذا نتيجة الامتزاج الايجابي الذي حصل بين المدرستين التركية والعربية والدور الذي لعبته مدرسة العود العراقية في هذا المضمار بين أواخر الثلاثينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي.

أعطى الشریف حيدر وطلبته طریقة الأداء بُعداً جدیداً من خلال استعمال تقنيات في العزف على آلة العود لم تكن مألوفة في السابق، فتكوّنت مدرسة خاصة بأساليب العزف والتأليف سميت بالمدرسة العراقية، وضمّت رواد العود الأوائل.  

ولعل أهم ما تميزت به هذه المدرسة، أن قسماً من تلامذة الشريف واصل العزف منفرداً بطريقته الخاصة كالفنان سلمان شكر الذي حافظ على أسلوب وطريقة تفكير أستاذه الشريف، أما القسم الثاني متمثلاً بـــ جميل بشير ومنير بشير وغانم حداد فقد اتجه إلى دراسة ما لم توفره مدرسة أستاذهم فتعلموا وأتقنوا الأسلوب الجديد بعيداً عن الأسلوب التركي بعض الشيء، أي تقربوا أكثر من محيطهم الموسيقي العراقي المتمثل بالمقامات والألوان الريفية والبستات العراقية، وبذلك أعطوا لهذه المدرسة تأثراً عراقياً واضح المعالم.

وبدأت تنضج وتتضح ملامح الأسلوب الذي اعتمده هؤلاء والتفرد المميز بالأداء، وشمل ذلك  التقنيات والتعبير الأدائي والسرعة في أداء الجمل اللحنية وتأليف الأعمال الموسيقية الخاصة بالموسيقى العربية والتي يكون فيها العود آلة أساسية.  ومن بين هؤلاء، برز الفنان منير بشير بتفرده المميز في عزف آلة العود إذ خرج بمؤلفات جديدة، مزج فيها بين التقنيات والأساليب الغربية والعربية دون أن تفقد موسيقاه هويتها العربية، تفرد واضح مكّنه من التعبير والارتجال باستخدام التقنيات الحديثة.

بذاك التجدد والأسلوب، ترسّخت هذه المدرسة وأصبحت منهجاً يدرّس في المؤسسات التعليمية الموسيقية في العراق وغيرها، وانتشرت رقعتها الجغرافية وتأثير روادها.

ولد منير بشير في مدينة الموصل عام 1927.  تعلم العزف على آلة العود بدايةً على يد والده الذي كان عازفاً على هذه الآلة وصانعاً لها.  ثم التحق عام 1939 بمعهد الموسيقى في حينه أي معهد الفنون الجميلة لاحقا ليدرس آلة العود على يد الشريف محي الدين حيدر دراسة أكاديمية.  كما دَرَسَ لست سنوات آلة التشيلو.  وتخرج عام 1946 بعد أن لَقي عناية خاصة من أستاذه الشريف حيدر بسبب نبوغه المبكر والمنقطع النظير.  وقد قال الشريف كلمة تدل على اعترافه بنبوغ منير: سأجعل منك نجماً موسيقياً ساطعاً في سماء الموسيقى الشرقية.

اكتسبَ منير بشير من هذه المرحلة المهمة في حياته الموسيقية، أكان خلال دراسته في المعهد أم لاحقاً خلال عمله في الإذاعة، نوعين من الدراسات المهمة، الأولى تعلمه المقامات العراقية ولاسيما خلال عمله مع كبار قراء المقام العراقي في الإذاعة، وكذلك تعلمه الأطوار الريفية المهمة في الغناء العراقي، بالإضافة إلى الأطوار البدوية.  والثانية دراسته الأكاديمية للموسيقى والتأثير العائلي والتربية البيتية من خلال شقيقه جميل بشير والبيت الذي كان يعيش فيه والذي كان يحتوي على أسطوانات يستمع فيه للأغاني المصرية والسورية والموصلية.  هذه هي القاعدة التي تربى عليها وكونَتْ  شخصيته الموسيقية.

كما أسلفنا، تأثر منير كثيراً بأستاذه الشريف حيدر آخذاً عنه أساليبه التقنية المتقدمة في العزف.  أضف إلى ذلك أنه مارس العمل الفني في إذاعة بغداد، وفي التلفزيون بعد تأسيسه عام 1956، بوصفه عازفاً ورئيساً للفرقة الموسيقية ومخرجاً موسيقياً، ثم رئيساً لقسم الموسيقى.  كما مارس التدريس في المعهد. وأسس له معهداً خاصاً (المعهد الأهلي للموسيقى).  وصار رئيساً لجمعية الموسيقيين العراقيين.

غادر منير بشير العراق فترة طويلة حيث اكتسب خبرة فنية غربية أضافت له الشيء الكثير. وبعد عودته إلى العراق في فترة السبعينيات من القرن العشرين بدا مبشراً بأسلوب جديد يختلف تماماً عما كان مطروحاً وسائداً في الموسيقى والعزف على آلة العود في العراق وفضاءات مدرسة أستاذه مغازلاً أسلوبه.  

بعد ذلك ذاع صيت شهرته في أرجاء العالم وأصبح له أسلوب مميز يشار إليه، ويقتدى به. وتأثر كثر بأسلوبه المنفرد وأضحوا بشكل غير مباشر من أتباع مدرسته في الأداء.  ولعل أبرز ما تميّز به أسلوب منير بشير أدائياً:

  • تثبيته الركائز الرصينة للمدرسة العراقية على آلة العود كمدرسة منهجية أكاديمية ذات أسلوب مزج التعبيرية بالنهج العلمي الصحيح، بعدما كان العود يقع تحت وطأة التطريب ومصاحبة الغناء كآلة مرافقة. وهذا الإنجاز جعله بمثابة مركز إشعاع فني ورافد علمي لكافة مدارس العود في العالم.
  • اختلافه عن أستاذه الشريف محي الدين وعن غيره من رواد المدرسة العراقية وبخاصة جميل بشير وسلمان شكر وغانم حداد، إذ رغم تعدد طرائق الأداء في أساليب عزف هؤلاء وانتمائهم إلى مدرسة واحدة، إلا أن أسلوب التعبير والارتجال والأداء عند منير بشير تميّز جاء مختلفاً عنهم.
  • ثراؤه في استخدام تقنيات العزف الحديثة على آلة العود ومنها: الريشة المقلوبة، الريشة المنزلقة، الأوضاع، الآربيجات، الصفير، الزخارف، بالإضافة إلى القوالب الآلية العديدة التي استخدمها والتي أعطته مجالاً للإبداع اللحني والتقنيات ميّزت جميع أعماله.
  • تأثره بالتراث العراقي الذي خدم أسلوبه وميّزه عن أقرانه، إضافة إلى الحداثة كاستخدام الإيقاعات الغربية ممتزجه مع روحيته العراقية الأصيلة.
  • ابتكاره قياسات مدروسة وعلمية للعود وشد الأوتار عليه، وإضافة "الفرسة المتحركة" التي أعطت آلته رنيناً مختلفاً وصوتاً رخيماً وشجناً، منطلقاً من مبدأ أن للعود أهمية كبيرة في العزف المنفرد (solo).

تولى منير بشير مناصب رسمية مهمة في العراق منها المستشار الفني في وزارة الثقافة العراقية عام 1973، ومن ثم مدير عام دائرة الفنون الموسيقية الذي كانَ له دور كبير في تأسيسها داخل الوزارة، فقد كان الهدف من تأسيسها إنعاش الحياة الموسيقية في العراق والارتقاء بالفن الموسيقى العراقي من خلال الأقسام والأنشطة المختلفة التي تقوم بها هذه الدائرة.  ومن خلال المتابعة المستمرة من قبل الدولة، استطاعت هذه الدائرة أن تزيد من رقعة الممارسة الموسيقية وتأسيس الفرق الموسيقية المتنوعة وتدعيم مشاركتها في المهرجانات والفعاليات الدولية أو الأسابيع الثقافية العراقية الموسيقية والغنائية التي كانت نافذة صحية للتواصل الحضاري مع الشعوب في مختلف أنحاء العالم. 

كذلك ترأس منير بشير اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى منذ عام 1973 ولغاية عام 1994، وشغلَ منصب أمين المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية منذ عام 1975 وحتى وفاته، وانتخب نائب رئيس المجلس الدولي للموسيقى أثناء تلك الفترة واستمر لمدة 4 سنوات.

أسس منير بشير فرقة التراث الموسيقي العراقي عام 1973 وكان له دور كبير في نشر التراث الموسيقي والغنائي العراقي في العالم؛ وكانت هذه الفرقة نموذجاً موسيقيا وغنائيا راقيا للحفاظ على التراث الغنائي والموسيقي العراقي والتواصل مع الثقافات المختلفة.  وكذلك أسّسَ الفرقة العراقية للموسيقى عام 1981 والتي اعتبرت أول أوركسترا موسيقية عربية تجمع الآلات الموسيقية العربية والآلات الموسيقية التقليدية العراقية.  وضمت هذه الفرقة أكثر من أربعين عازفا بقيادته الشخصية.  كما أسسَ ورشة صناعة الآلات الموسيقية العربية والآلات الموسيقية التقليدية العراقية وكان ذلك عام 1977. 

ومنير بشير هو من اقترح ودعّم فكرة مهرجان بابل الدولي الأول الذي بدأ في عام 1987. وكان هذا المهرجان مكرساً للموسيقى وتقديم الفنون الأصيلة لتراث الشعوب، ما أدى إلى الاحتكاك بين الفرق الموسيقية والغنائية المختلفة حيث كان عاملا مساعدا  للتواصل الحضاري بين الثقافات المختلفة التي كانت تشترك فيه.

حصلَ منير بشير على جوائز عالمية مهمة منها جائزة وسام "الفارس القائد" من فرنسا ووسام "الاستحقاق الإيطالي" من إيطاليا، وكذلك وسام الملك الإسباني خوان كارلوس "الصليب الأبيض"، وميدالية "شوبان"، ووسام الفنان "فيلا لوبوس".  أما من الدول العربية فقد حصل على وسام الرافدين وميدالية الكاتب المغربي المعروف "المهدي المنجرة" من المغرب ووسام الاستقلال من الأردن.

كل ما ذكرناه من إنجازات في الحركة الموسيقية في العراق منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي إلى منتصف تسعينياته تحسب للإدارة الفنية الرائعة لمنير بشير.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 31 آذار/مارس 2022 08:18
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساعد الموسيقى على التركيز في دراسة طلبة الجامعات وتلامذة المدارس؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM