arenfrfaestr

من حوار مع المغني الفرنسي جيلبير بيكو- بتصرف (*)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

  • من أنت، السيد جيلبير بيكو Gilbert Bécaud ؟
  • أنا كما تعرفون من قراء مجلة "موزيكا Musica الأوفياء. كان هذا الجواب وحده كافيا ليخلق بشكل عفوي مناخا مفعما بالتعاطف. ثم أضاف قائلا: لطالما أحببت الموسيقى، كل الموسيقى، إذ لا وجود لموسيقى كبيرة وأخرى صغيرة. إنها جيدة أو رديئة، ولا شيء غير هذا.

كانت بداية صلة جيلبير بالموسيقى وهو في الخامسة عشر من عمره عندما التحق بالمعهد الموسيقي في مدينة نيس. هناك أقبل على تعلم العزف على البيانو، وكلل جهوده بالحصول على جائزة في العزف، ثم ما فتئ أن توجه رفقة أسرته صوب باريس، حيث افتقد دفء الشمس دون أن يفقد طعم الموسيقى. هاهنا شرع في كتابة مدونات موسيقية لفائدة الأفلام القصيرة، وكان من حين لآخر يكتب في السر بعض الأغاني على كلمات من وضع صديقه بيير دولانوي Pierre Delanoë الذي سيصبح بعد حين المدير الفني لإذاعة أوروبا 1. وسرعان ما ظهر تعلقه الشديد بالأغنية، دون أن يمنعه ذلك من تقدير للأوبرا وغناء "البيل كانتو"، أو أن يصرفه عن تذوق روائع ماندلسون أو باخ.  

وحتى ذلك الحين كان جيلبير يعزف على البيانو في النوادي الليلية. ويبتسم له الحظ ذات يوم بلقاء جاك بّيلس Jacques Pills الذي ألحقه بفرقته مصاحبا، وعلى امتداد تجوالهما في العالم، ولاسيما في أمريكا اللاتينية تفرغ الفنانان لكتابة الأغاني. 

      وعلى هامش العروض "الرسمية" المشتركة بينهما، كان صاحبنا يستقل بنفسه فينطلق بروح من المخاطرة يغني أعماله بمفرده في الملاهي، وكان أن حالفه النجاح الكبير، لما تميزت به أغانيه من صفاء في الألوان وغنى في الانطباعات انعكست ظلالها على موسيقاه.

الأخت الكبرى

على إثر عودة جاك بيلس وجيلبير بيكو إلى باريس، اقترحا على المغنية "إيديث بياف" Edith Piaf أغنيتهما الأخيرة "أنت في حشاي" Je t’ai dans la peau. رضيت المغنية بالطلب على الفور، وحققت من وراء هذه الأغنية نجاحا كبيرا. ولأنها أعجبت بموهبة جيلبير، فقد وطدت له سبيل اللقاء بالشاعر الغنائي لويس أماد Louis Amade وهو يومئذ رئيس ديوان محافظ دائرة "سين -إي-واز" Seine - et-Oise. قدم الشاعر لجيلبير نصا جميلا بعنوان "الصلبان" Les Croix، ولأن تعاونهما كان إيجابيا فقد أمده بمقطوعة ثانية عنوانها "يداي" Mes Mains حققت كسابقتها نجاحا باهرا، مما انتقل بصاحبنا من الفوز بعقد حصري مع شركة "باتي ماركوني" Pathé Marconi إلى الحظوة بالوقوف على خشبة مسرح الأولامبيا أمام الشباب الذين قابلوه بالتهليل والتصفيق.

كان جيلبير – وهو يحدثنا – لا ينفك عن التنقل من مكان إلى آخر.  إنه يعكس بشكل بيِّن الميول العميقة لشباب عصرنا الحاضر، ويجسد كل الحماس والتجاوزات والانحرافات وسائر مظاهر الفظاظة التي تطبع النوبات الصاخبة للمراهقة وهي في أوج أزمتها على حد قول لويس بارجون Louis Barjon في كتابه "الأغنية اليوم" La Chanson d’aujourd’hui. وسواء كان على خشبة المسرح، أو على شاشة التلفزة فهو ممثل مدهش لا تنفك ملامحه تجذب إعجاب المشاهد. يتنقل بين البيانو والمايكرو فون، وهو يرسل نفَسه بشكل محموم، ويبذل من نفسه دون احتسابٍ ما يطرد به شيطان الإيقاع الذي يضطرب بين ضلوعه. إنه يرسم بذراعيه إيماءات مغلفة تداعب مرونة جسده، وهو بين حالات من الانحناء والتقوس والاسترخاء. كل شيء فيه ارتجال، حتى تلك اللحظة التي تفرزها دفقة الإبداع في قوتها المباشرة والعفوية. إنه صورة للأغنية التي ينشدها، يبث فيها طاقته السحرية، ويحمل المستمع ذاته على الانخراط في استلهامها.  

نحن أمام قلب رجل ينبض، لا سبيل إلى ربط كل نجاحاته بمدى حيويته، إذ حتى الكلمات التي يختارها تدل بوضوح على أنه يتجنب اصطناع المؤثرات السهلة والتي لا مبرر لها. وهو متى أقدم على وضع أغنية عمد إلى الخلوة مع الشاعر، فيقترح هذا الفكرة، ويبحث الآخر عن لحنها على آلة البيانو، ثم يستمع الطرفان إلى اللحن على آلة التسجيل في صورته الأولى، ويراجعانه مرة تلو الأخرى، وشيئا فشيئا تكتمل الصورة النهائية للأغنية. وهكذا تنبجس أغنية جديدة، أحيانا في وقت وجيز، وأحيانا بعد أشهر كثيرة.

وهو لا يغني إلا ما اطمأن إلى جودته، ويتضح هذا عند تصفح كتالوج أغانيه. إذا تطرق لموضوع الحب فعل ذلك على طريقته الخاصة. أما الرومانسية الفاترة فلا مجال لها في أغانيه. وعندما تستمع إلى أغانيه من قبيل "أميرة يوليوز" La princesse de juillet، و "ماري ماري" Marie-Marie، و"أغنية لروزلين"   la Chanson pour Roselineعلى "المقام الصغير"، هذه الأغاني التي تتحدث عن الحب، فإنك تحس بمنتهى رقة الذوق الذي يبعث الجدة في هذا اللون الفني ويريح   المتلقي من عبث الألحان الملفقة. 

مع جيلبير بيكو تنبثق فرحة الوجود من كل صوب. يمتد كيانه نحو النور مع أغنية "أسواق البر وفانس" les Machés de Provence، ويستشعر الحاجة إلى البوح بهذه الفرحة والتعبير عنها بجسده "تعال نرقص" Viens danser. أحيانا يخترقه الأسى فتصبح أغنيته أكثر تأثيرا ("الجدار" le Mur، و"يوم يسقط المطر"le Jour ou la pluie viendra)، وأحيانا تتأذى الحياة من أثر الذكرى "عازف البيانو من فارصوفيا"le Pianiste de Varsovie، وتواجه الموت بألم ("كان لي صديق"C’était mon copain، "مصارعة الثيران"la Corrida)

وجد صاحبنا في موسيقى الجاز مصدرا للإلهام يتلاءم مع مزاجه. وفي ظل الحرية الخادعة للكلمات يتولد الإحساس بنفس أخوي يرفعك إلى مقامات أسمى بكثير مما تستطيعه الأغنية المسماة "دينية". وهكذا فمن خلال الأغنيتين ("ألليلويا"Alléluia، و"دفن كورنيليوس"l’Enterrement de Cornélius يُستحضر عالم بشري حيث الصداقة ما تزال تعني شيئا ما.

 

من وراء الستار الأحمر

في هذه اللحظة انتصب بيكو واقفا أمامنا كما لو كان واقفا أمام الجمهور. وبعد فترة من الصمت سادها استرخاء خفيف هب قائلا: كنتم تتحدثون معي قبل قليل عن الأوبرا التي أشتغل فيها حاليا. هاكُموها، انظروا إلى مدونتها.

أكيد أن صاحبنا يهوى الأغنية، غير أنه يريد أن يختبر قدرته على التأليف الموسيقي في ميدان مختلف تماما عما ألفه، وأن يكشف للجمهور وللنقاد عن جانب آخر من موهبته. 

وأكيد أيضا أن كتابة الأوبرا عمل صعب للغاية، وأن الأمر لم يعد يتعلق بخلق "أجواء" عابرة في وقت وجيز، بل هو يتعلق بموضوع محدد يتعين تناوله بالتحليل وعلى امتداد ما لا يقل عن ساعتين من الزمن.

ومن الواضح أن صاحبنا إذ يقدم على وضع أوبرا فهو لا يتخذ ذلك ذريعة للدعاية وكسب مزيد من الشهرة، ولكنه يفعل ذلك لاقتناعه بأنها خطوة ضرورية، ومن ثم فهو حين يتحدث عنها تعلو محياه سمات الجد والصدق. 

ومع ذلك، فإني أحث القارئ على أن يتجنب الخلط بين "بيكو" ملحن "الأغنية" و"بيكو" مؤلف "الأوبرا"، فكلاهما يختلف عن الآخر، ولا شيء يجمع بينهما.

يتمحور موضوع الأوبرا حول قصة حب جميلة كتبها "لويس أماد" Louis Amad بعنوان "آران" Aran، وهو اسم جزيرة مقفرة في إيرلندا، تبدو الحياة فيها بدائية وقاسية. حاول بطل القصة الإقامة بالجزيرة للاستقرار فيها، فلم يفلح بسبب رفضه من طرف السكان من جهة، وعنف الطبيعة الشرسة لصخورها من جهة أخرى. تكتسي الأوبرا شكل دراما غنائية تذكر بروح موسيقى المؤلف الإيطالي جاكومو بوتشيني Jacomo Puccini، وسوف تحتاج لأداء أدوارها الرئيسة إلى أصوات عالية الجودة.

قام بيكو بتسليمي مدونة الأوركسترا الموسيقية، فتصفحتها بسرعة لا تسمح – للأسف - بتعميق النظر فيها.    

إلى حد هذه الساعة كان ضيفنا قد قال كل شيء، ثم انصرف إلى مذكرته اليومية ليواجه مهامه الجديدة. هاهنا ظهرت عند مدخل البيت وجوه أخرى، وكاميرات وميكروفونات، وعادت الأسطورة لتحجب عنا الرجل الذي كنا قبل قليل نكشف عن حقيقة شخصيته.

يعتبر جيلبير بيكو بالنسبة للجمهور نجم الأغنية دون منازع، أما فرانسوا جيلبير سيلّي François Gilbert Leopold Silly – وهو اسمه عند الازدياد - فهو بالنسبة للموسيقيين لا يزال غير معروف.  وتذكرنا هذه الازدواجية الشخصية بالمؤلف الموسيقي الأمريكي جورج غيرشوين George Gershwin (1898-1937) الذي حقق نجاحات باهرة في مجال الأغنية الخفيفة ثم حول كل اهتمامه لجانب آخر من الفن الموسيقي.  وإن ما يثير الدهشة حقا بالنسبة لبيكو هو حرصه على العمل في مجالين موسيقيين متباينين للغاية. على انه سيصطدم حتما بمشاكل عسيرة على الحل تتعلق بالوقت، وأجواء العمل، وباللغة خاصة.

-----------------------------

(*) Guy Ressac. MUSICA n° 80 novembre 1960 imp CHAIX ( seine) p 9 - 13   

  اضغط هنا لتحصل على أغنية "كان لي صديق"

https://www.youtube.com/watch?v=PsMZOLMFRck

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تساعد الموسيقى على التركيز في دراسة طلبة الجامعات وتلامذة المدارس؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM