arenfrfaestr

لوحات من المعرض – إحدى روائع موسورسكي – بتصرف (*)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

موديست بتروفَيتش موسوررسكي من مواليد شهر مارس عام 1839 في كاريفَو غير بعيد عن مقاطعة بسكوفَ في روسيا. نشأ في وسط فني توافرت فيه سائر العوامل التي تجعل منه طفلا سعيدا وموسيقيا ناجحا: فأمه موسيقية وديعة، والطبيعة من حوله خلابة، غنية بتاريخها وأساطيرها التي ما انفكت مربيته العجوز تحكيها له.

تلقى دروسه الأولى في العزف على البيانو وهو في السادسة من عمره على يد والدته، فلما بلغ العاشرة سافر هو وشقيقه إلى مدينة سان بترسبورغ للتعلم بمدرسة القديس بطرس، وهناك عمق دراسته للبيانو إلى جانب المواد الدراسية الأخرى، فلما بلغ الثانية عشرة كتب أول مقطوعة له بعنوان Porte-enseigne Polka، وتم نشرها على نفقة والده.

ومع ذلك فقد شاء له قدره على مدى عمر امتد اثنين وأربعين عاما أن يراكم من حوله وبوفرة لا تصدق سمات "الموسيقي الملعون". 

والواقع أن مأساته الحقيقية ارتبطت على نحو لا يمكن التملص منه باستحالة أن يتفرغ للموسيقى ويكرس حياته لها بالكامل؛ ولم يكن ذلك - فقط – بسبب المرض وإدمانه على الكحول، ولكن أيضا بسبب الالتزامات العسكرية التي لم يكن معدا لها، وكذا طبيعتها البيروقراطية الغامضة والمملة، الأمر الذي حال بينه وبين اكتساب الثقافة الفنية التي يتباهى بها زملاء له هم أقل منه موهبة واستعدادا. 

في ظل هذه الأجواء أمكن لموسورسكي أن يؤلف أعمالا كثيرة يظهر فيها جليا تأثره بتاريخ روسيا وتراثها الفلكلوري. وقد ظهرت بوادر موهبته على البيانو منذ معزوفته الأولى وهو في الثانية عشرة من عمره، ومنذئذ توالت أعماله فكتب للأوركسترا قطعتين في قالب "السكيرتزو" (1858)، وألف "وصلة في أسلوب كلاسيكي"Intermezzo in modo classico (1867، و"تصويرا للأنترميتزو" Transcription de l’intermezzo مكتوب للبيانو، و"ليلة على قمة جبل أجرد" Une nuit sur le mont Chauve 1867، وأوبرا "بوريس غودنوف" (1869) Boris Godunov، وهي مسرحية شعرية لبوشـكين . وتأتي "لوحات من معرض" Tableau d’une exposition  لتحتل مكانة استثنائية، (1874)، وهي التي سيقوم موريس رافَيل لاحقا بكتابة توزيعها الموسيقي. 

وقد ترك موسورسكي بعد وفاته العديد من المقطوعات غير المكتملة، تعهد بعض أصدقائه من الموسيقيين الذين عاصروه باستكمالها، وكان من أبرز هؤلاء الموسيقار ريمسكي كورساكوف الذي وزع العديد من أعماله وحاول أن يزيل عنها ما يكتنفها من غموض وتعقيد مربك لتخرج إلى النور بعد بضعة سنوات من وفاته.

ومع أهمية العمل الذي قام به كورساكوفَ، فقد رأى فيه بعض النقاد إساءة لآثار موسورسكي، وذلك لأنه فاته – من وجهة نظرهم – أن يدرك أن موسورسكي كان سابقا له في تفكيره بمراحل بعيدة، وأن أحياء القرن العشرين هم وحدهم الذين سيفهمون موسيقاه تمام الفهم.

نحن نعرف أفكار موسورسكي ونواياه حول وظيفة الفن بشكل عام والموسيقى بشكل خاص، لاسيما وأنه هو القائل: الحياة هي ذاتها حيثما تجلت، والحقيقة مهما كانت هي المرارة عينها. أما الجرأة والصراحة مهما كان الأمر فهي ديدني وأقصى ما أحرص على الاحتفاظ به.  وهو في فترات اندفاعه نحو البحث عن الحقيقة الإنسانية كان يجد في الألحان وفي الدراما أفضل ما يمتلكه من قدرات على التعبير.

من بين عدد غفير من الميلوديات التي لحنها دعونا نتذكر الدورات الثلاث العظيمة: "الصبيانيات" (1870 – 1872) Les Enfantines، "في غيبة الشمس" Sans   soleil (1874)، "أغاني ورقصات الموت" Chants et Danses de la mort (1875). أما بالنسبة للموسيقى الدرامية فخير ما يمثلها روائعه الثلاث: بوريس غودونوفَ، و"خوفانتشينا"، وهي أوبرا في خمسة فصول استوحاها من أحداث ثورة موسكو عام 1682، و"سوق صوروتشينتزي " La Foire de Sorotchintzy.

 

اللوحات

هي متتالية موسيقية مكوّنة من عشر حركات، ألّفها الموسيقار الروسي موديست موسورسكي عام 1874، بمناسبة تنظيم معرض ضخم ضم ما يزيد على أربعمائة عمل من أعمال الرسام والمعماري الروسي فيكتور هارتمان من بينها لوحات فنية ورسومات مائية ومشاريع تصاميم.

وقد كانت بين موسورسكي وهارتمان صداقة متينة منذ أن تعرفا على بعضهما عام 1868، ثم جاءت وفاة هارتمان المفاجئة عام 1873 لتشكل صدمة عنيفة كان لها أثر عميق في نفس موسورسكي.

والمتتالية عبارة عن مرثية موسيقية استوحى موسورسكي ألحانها من لوحات المعرض، فانطلق يستعرضها لوحة تلو أخرى، وهو يبث أقراص البيانو مشاعره وانطباعاته المختلفة، واصفًا إحساسه بكل لوحة في حركة موسيقية خاصة، مع وضع "فقرة' لحنية متكررة كفاصل بين الحركات العشر، وبذلك بدت المتتالية وكأنها جولة في المعرض، يقف فيها موسورسكي أمام اللوحات واصفا ومحللا.

استغرق موسورسكي في تأليف المتتالية ثلاثة أسابيع فقط، وكانت نيّته الأولى هي نشرها، فلما عرضها على عدد من زملائه أبدوا استياءهم الواضح منها، مما جعله يعدل عن الفكرة.  وتمضي فترة من الزمن تشاء الظروف بعدها أن يعثر عليها صديقه الموسيقار نيكولاي ريمسكي كورساكوف، فيضيف إليها القليل، ثم يباشرها آخرون بصنوف من التعديل؛ وبذلك تحولت المتتالية من عمل كتب في الأصل للبيانو إلى متتالية تعزفها أوركسترا كاملة.

تبدأ المتتالية بمشهد يبدو فيه المؤلف نفسه وهو يمشي في المعرض على وقع لحن مستمد من التراث الروسي القديم تارة ببطء، وتارة بخطى سريعة، متنقلا بين اللوحات، بدءا بالأولى وانتهاء بالعاشرة عبر إيقاعات تتجدد مع كل لوحة.

 

اللوحة الأولى "القزم" Gnomus

تمثل هذه اللوحة قزمًا خشبيًا على شكل دمية يلهو بها الأطفال، ورغم مضمونها البسيط فإن موسيقاها تبدو مفعمة بالمشاعر التي تحكي صدى أثرها في نفس الملحن.

اللوحة الثانية: "القلعة القديمة "Vecchio Castello

تمثّل هذه اللوحة قلعة إيطالية قديمة وأمامها شاعر جوال يغني أغنية رومانسية حزينة، ومن حوله مجموعة من الفتيات الحسناوات. وتتسم حركتها الموسيقية بالسوداوية.

اللوحة الثالثة: "شجار الأطفال بعد اللهو "Les Tuileries

تمثّل اللوحة حديقة التويلوري بجانب متحف اللوفر بباريس في فرنسا، وبداخل الحديقة بعض الأطفال الصغار وقد أقبلوا على اللعب والشجار وملأوا الدنيا سعادة وانشراحا. 

اللوحة الرابعة: "الماشية"Bydlo

تمثّل اللوحة عربة بعجلات كبيرة تجرها الثيران، وكما يبدو في الحركة الموسيقية فإنها أشبه بحركة أقدام الثور ودوران عجلات العربة.

اللوحة الخامسة: "باليه الأفراخ التي لم تخرج من البيضة"

تمثّل اللوحة أطفالا يرتدون أزياء أفراخ تحاول الخروج من البيضة، وهي عبارة عن باليه راقص جاءت موسيقاه بعيدة عن الحزن والسوداوية وبدا فيها موسورسكي وكأنه يقاسم الأطفال مرحهم.

اللوحة السادسة: "صامويل غولدن بيرغ وشماييل"Samuel Goldenberg et Schmuyle
يُعتقد أن هذه الحركة لا تخص لوحة واحدة بل تتعلق بلوحتين أدمجهما الملحن معًا في لوحة واحدة تمثّل مشهدا كاريكاتوريا لرجلين يهوديين يجري بينهما حوار حاد، أحدهما موسر وهو صامويل غولدنبيرغ، والآخر فقير يتضور جوعا وهو شماييل. ويبدو تأثر موسورسكي باللوحتين واضحا يكشف عنه تعاطفه مع الشخصين، بيد أن نغمة الرجل الغني تبدو واثقة من نفسها، بينما تأتي نغمة الفقير مضطربة ومتضرعة.

اللوحة السابعة:  "السوق"La place du marché de Limoges
تُظهر اللوحة مجموعة من النساء وهن يتشاجرن بعنف في سوق مدينة ليموج بفرنسا، فتأتي حركتها الموسيقية سريعة الإيقاع شديدة التعبير عن المشهد.

اللوحة الثامنة: "المقبرة الرومانية"Catacombes

صوّر هارتمان نفسه في هذه اللوحة وهو يتفحص مقبرة رومانية أثرية في العاصمة الفرنسية باريس، تتسرب بين سراديبها خيوط ضوئية مزعجة وتلفها أجواء من التصوف المهووس. وقد قسّم موسورسكي حركتها الموسيقية إلى قسمين، يشخص أولهما رهبة المكان وصدى السكون الذي يلفه، ويعكس الثاني شعور الزائر لهذه المقابر وهو يتهجى الكتابة اللاتينية المرسومة على جدران القبور، والتي تحكي قصة الأموات بلغة ميتة.

اللوحة التاسعة:"كوخ بابا ياغا على أقدام الديك" La Cabane

بابا ياغا من الأساطير السلافية المستمدة من الفلكلور الروسي في العصور الوسطى؛ وهي تحكي قصة ساحرة على هيئة امرأة قبيحة، تتجول بهوان وأحيانًا تأكل الأطفال، وتسكن في كوخ مقام على أعمدة بهيئة أرجل الدجاج. إنها صفحة مذهلة تحمل المشاهد إلى عالم الخوارق السوريالية.

اللوحة العاشرة: "بوابة كييف الكبرى" La Grande Porte de Kiev

صمم هارتمان في هذه اللوحة بوابة كبرى لمدينة كييف في إطار مسابقة تصميم معماري احتفالا بنجاة القيصر ألكسندر الثاني من محاولة اغتيال، والبوابة على الطراز الروسي القديم وتحتوي على قبّة على هيئة خوذة سلافية.

وقد قسّم موسورسكي الحركة إلى جزأين، حاول فيهما أن ينقل إحساسه بأفضل تصميم لهارتمان وإعجابه بأكثر التصميمات المقربة لقلبه.

الوفاة

وفي اليوم الثامن والعشرين من آذار/مارس عام 1881 ودع موسورسكي الحياة بعد أن تدهورت صحته نتيجة إدمانه على الخمر

(*) Caude Frissard. MUSICA n° 80 novembre 1960 imp CHAIX ( seine) p 36 -37

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تنشّط الموسيقى الذاكرة وتفيد مرضى الألزهايمر؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM