arenfrfaestr

وفاة فريديريك شوبان بتصرف (*)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

في السابع عشر من تشرين أول/أكتوبر سنة 1849 توفي شوبان البولندي الأصل وهو في أوج عطائه وكمال عبقريته، مثله كمثل الزهرة الجميلة أَوْدَت بها الريح العاصفة. لقد انتزعه القدر من بين محبيه والمعجبين به وهو ابن تسع وثلاثين سنة.

كان يعاني من مرض عضال في الرئة وهو دون العشرين من عمره، لعله أن يكون وراثيا، أنهك قواه، ولم تكن وسائل العلاج المتوفرة يومئذ كافية لمقاومة هذا الداء. 

وإلى جانب ما كان يعانيه من ضعف على مستوى بنيته الجسدية، فقد زاده ارتباكا واضطرابا ما كان يشوب علاقته بأمانتين أورور لوسيل Amantine Aurore Lucile هذه السيدة الفرنسية التي احترفت صناعة الأدب وراحت تكتب أعمالها الرومانسية بلباس الرجال، وتحت اسم ذكوري مستعار هو جورج صاند George Sand والتي طالما راوده أمل أن يجد في كنفها – وهي التي صاحبته على مدى عقد كامل – الطمأنينة حتى يتفرغ للتأليف الموسيقي، وينقطع للبيانو، آلته التي أغناها بتقنيات مستجدة. 

كان يعلم أن فراقه عن جورج صاند سيفضي به إلى حالة من الوهن لن يتعافى منها؛ لذلك آثر أن يغادر مدينة "نوهانت"Nohant ، وأن يعود إلى باريس التي ظلت وفية له، هناك وجد صداقات جديدة تخلص له المحبة، ووجد جمهورا متحمسا حريصا على حضور عروضه في العزف على البيانو.

ومع كل ذلك فلم تكن نجاحاته الفنية لتفيده شيئا طالما أن جرحه لم يندمل؛ ومهما أمسك عن البوح بما يعانيه، فإنه كان ضحية حب أفضى فشله إلى انهيار صحي عجل بسيره حتما نحو الموت.

لقد كان يعلم أنه كمن يكافح ضد المستحيل، فقد كتب يوما: لماذا لا يعجل الله بموتي بدل أن يتركني أصارع الموت بين أنياب الحيرة؟

ها هو أمام عقبة كأداء عليه أن يغالبها، فقد كان عليه من أجل البقاء أن يقوم بتلقين عدد جم من الدروس، غير أن ذلك استنفذ قوته، فما كاد يدرك بيته بعد العرض الذي أقامه في "قاعة بّْلييل"  Salle Pleyel يوم 16 شباط/فبراير 1848 حتى سقط مغمى عليه من شدة التعب.

 ولأنه كان في حاجة إلى المال من أجل الحياة، فقد وافق على الذهاب إلى لندن حيث أحيى سلسلة من العروض الموسيقية حضرتها ثلة من أبناء الطبقة الأرستقراطية، ونخبة من الموسيقيين، إلى جانب الملكة ذاتها. وقد عاوده الأمل في أن يعيد الانتعاش إلى وضعه المالي المتعثر، لا سيما وهو يتلقى دعوة أخرى إلى اسكتلندا حيث سخرت تلميذته جاين ستيرلينكَ Jane Stirling كل ما في وسعها من أجل أن توفر له حسن الضيافة المفعمة بالمودة والتقدير. ولكأنما أحس شوبان بأن من وراء حفاوة تلميذته بمقدمه ما يدل على توقها إلى الاقتران به كزوجة، فتملكه الغضب، وكتب إلى صديقه كَوتمان Gutmann قائلا في سخرية: زوجة؟ أي زواج هذا وأنا أَقْرَبُ إلى اللَّحْد مني إلى فراش الزوجية؟

لم يطق شوبان البقاء في بريطانيا تحت وطأة الضباب والملل، فولى وجهه شطر باريس، وفي عجلة من أمره اجتاز بحر المانش متطلعا إلى لقاء أصدقائه.

أصابته نوبة من السعال الشديد إثر عودته من إنجلترا، وهاله أن يعلم أن طبيبه المفضل الدكتور جان جاك مولين Jean -Jaques Molin يحتضر، ثم ما فتئ أن فارق الحياة في سبتمبر 1848، فحزن لفقده، وقر في نفسه أن لا أمل له في الشفاء من مرضه، فكل الأطباء دونه كفاءة واقتدارا، ولا جدوى في وصفاتهم مهما أوتوا من العلم بأسرار الطب.

أحس شوبان بشيء من الراحة مع اقتراب فصل الربيع، فسمح لنفسه بالخروج مع اتخاذ الحيطة والحذر، كما سمح لنفسه بإعطاء بعض الدروس، يسد بأجرها ضرورات الاستشفاء، وهو متمدد على سرير المرض.  وتزداد حالته سوءا مع تواتر نوبات السعال لتجعل شَهيقه قصيرا، وزَفيره صفيرا.

في آذار/مارس 1849 زاره صديقه الرسام الشهير دولاكروا Delacroix، فوجده في حالة قصوى من الاكتئاب والعزلة، وصدمه ما رآه عليه من انهيار زاد من وطأته إحساسه العميق بالملل؛ وفي الشهر الموالي عمد شوبان إلى بعض مخطوطاته فأحرقها. إنه جنون الشك داخَلَه.

وفي شهر حزيران استأجر له بعض أصدقائه المخلصين شقة في مرتَفَع شايو Chaillot حيث تسود السكينة والهدوء؛ ومن أعلى هذا الموقع غدا في إمكانه أن يتأمل باريس الرائعة، وأن يطل على الحدائق التي تغمره خضرتها أحاسيس الطمأنينة.

ومع ذلك فسرعان ما بَدَّدَت الهواجسُ القاتمة هذه الأحاسيس. تُرى، هل كان يشعر وهو في دوامة العراك مع المرض من أجل البقاء أنه يقترب من النهاية، وأن طَيْف الموت يحوم حوله؟

وقبل أن يستسلم لهذه الهواجس عاد بفكره إلى سنواته الأولى يوم كان يرتع في دنيا الأوهام والآمال والأحلام، إنها بُولَندا التي لم تَمْحُها مرارةُ المنفى من ذاكرته. أخذ يفكر في أهله، ويُمَنِّي نفسه بقربهم، هؤلاء الذين يجري في عروقهم دم مثل دمه، وولدوا - مثله أيضا – في وطن لم يعد يراه، ولكنه ما نسيه أبدا. حمل القلم وحرر رسالة إلى "لويز إدرزيويز Louise Iedrzeiwiez يقول فيها: إنني مريض، ثم يضيف: الطقس هنا رائع، ومشاهد باريس جميلة للغاية، فهلموا. وسرعان ما قدمت أخته وفي رفقتها ابنة أخته، ولم تقصرا في العناية به. 

غير أن عناية الأطباء بالمريض كانت أعظم بكثير، فلقد كانوا في حيرة من أمره، يتشاورون باستمرار فيما بينهم، في علم وحدَها المعجزةُ الإلهية تستطيع أن تنير مسالكه. وعملا بتوصية منهم فقد نقل المريض إلى شقة تتوفر فيها التدفئة ومتعة الإقامة. ومن أجل أن تكون الإقامة ممتعة عمد الأصدقاء إلى تلاوة بعض النصوص الأدبية على مسمعه، ومن بينها فصل "الأذواق المختلفة للشعوب" من كتاب "القاموس الفلسفي" لفَولتير.

وتزداد حالة شوبان حرجا يوما بعد يوم، ومع ذلك فهو لا يشكو ولا يمتعض.  ويتنامى لديه الإحساس بقرب أجله، وتخطر بباله كل الاحتمالات الممكنة، ومع ذلك تراه لا ينزعج. إنه واع بمآله. وشيئا فشيئا تدب بين أوصاله حبال الموت. لقد رحل إلى الأبد مبدع "الليليات الإحدى والعشرين".

-------------------------

(*) Paul Le Flem-. MUSICA n° 79 octobre 1960 imp CHAIX ( seine) p 34

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 30 حزيران/يونيو 2022 10:41
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تؤثر الموسيقى على القيم الاجتماعية لدى الشباب الجامعي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM