arenfrfaestr

الإيقاعات في البصرة والتنوع البيئي

أ.د. ناصر هاشم بدن- كلية الفنون الجميلة – جامعة البصرة

تعد حضارة وادي الرافدين من أقدم الحضارات الإنسانية، وكان للفنون بمختلف أنواعها الأثر الكبير فيها. وظهرت الموسيقى ونظرياتها والآلات الموسيقية لدى السومريين، وتوصلت الأبحاث والتنقيبات الأثرية إلى ان أول نظام موسيقي في التاريخ وأول آلة موسيقية أنتجها السومريون وتم العثور عليها على لوح طيني. وكانت الموسيقى حاضرة بقوة في المعابد والطقوس الدينية والأعياد والساحات العامة... وتعد الموسيقى مهنة حرفة جليلة محترمة وكان الملوك يسعون لتعلمها ومنهم من كان عازفٱ على أكثر من آلة موسيقية مثل الملك شولكي ثاني ملوك سومر.  وكذلك كان الكهنة في حضارات أور وسومر والوركاء يهتمون بالجانب السيكولوجي للموسيقى، ولديهم مجموعة منشدين تسمى "كالو" وأنواعاً  من الآلات الموسيقية الهوائية والوترية والإيقاعية مثل المزمار والعود والطبول.

ومع اتساع بلاد وادي الرافدين وتنوع البيئات تنوعت معها الألوان الموسيقية والإيقاعية.  وشكل الجزء الجنوبي من بلاد وادي الرافدين أرضٱ سهلية تسقى من مياه دجلة والفرات، ما جعل الأقوام العراقية وغير العراقية الباحثة عن لقمة العيش تستوطنها.  ومع استقرار الحياة في الجزء الجنوبي من العراق، ظهرت أنواع عديدة من الفنون الموسيقية للترويح عن النفس وللطقوس والزينة والأفراح وسواها.  وظهرت في مدينة البصرة إيقاعات لا نجدها في مدينة عراقية أخرى مثل (الخشابة).  وقد تعددت الآراء في تسمية هذا الايقاع فمنهم من يرى أنه يرمز إلى مهنة البحارة الذين يعملون في نقل الخشب وتقطيعه وصنع القوارب الخشبية منه، وكان هؤلاء يؤدون أثناء فترات الاستراحة نوعٱ من الأغاني يرافقها عزف على أوان خشبية وجرار من الفخار غير موسيقية، وبهذا أُطلق على هؤلاء البحارة العمال (الخشابة) وهي تسمية تشابه (الفحامة) أي العاملون في نقل الفحم، و(القطانة) أي زارعو القطن والعاملون في جمعه...

011a.jpg

 

ويوجد رأي آخر في تسمية الخشابة على اعتبار أنها ترمز إلى الفلاحين الذين يعملون بالحقول فتتخشب أياديهم من كثرة العمل. وهم يستعينون أيضا بالغناء والتصفيق بأياديهم المتخشبة أثناء الاستراحة.  ولون الخشابة في البصرة له عدة طرق تختلف من مدينة بصرية إلى أخرى، فمدينة الزبير تغني الخشابة بطريقة تختلف عن مدينة ابي الخصيب، وتختلف الأخرى عن مدينة الفاو، وكذلك مركز مدينة البصرة الذي يغني ويعزف الخشابة بطريقة حديثة.

وإيقاع الخشابة إيقاع رباعي نشط يوحي بالبهجة.  ويختلف إيقاع الخشابة أثناء أداء الموال عنه في الأغنية إذ يكون أسرع في الغناء.

وأصبح فن الخشابة في البصرة فنٱ مستقلٱ مميزٱ له نظامه وطقوسه وبناؤه، ويغنى في الغالب بمقامين أساسيين هما (البهيرزاوي) وهو على مقام البيات و(الحكيمي) على مقام السيكاه.

ومن الإيقاعات الأخرى في مدينة البصرة إيقاع (الهيوة)، وهو إيقاع راقص تذكر كتب التاريخ أنه وافد للبصرة من أفريقيا بواسطة (الزنوج) الذين جاءوا إلى البصرة للعمل في الزراعة في زمن المتوكل العباسي في القرن الرابع الهجري.  وكان هذا الإيقاع يسمى بـ (الليوة) وتم تحريفه مع الأيام إلى (الهيوة).  وكان الأفارقة يغنون أثناء العمل في الزراعة والحصاد.  ويقال يجتمع في موسم الحصاد عدد كبير من الفلاحين، ويقومون بالغناء والدوران والرقص حول محاصيل الحنطة والشعير لغرض هرسها اي سحقها بالأرجل لإخراج القشور ومن ثم تنظيفها. وكانت رقصاتهم الهيوة.  ومع الأيام انتقلت تلك الفنون إلى مرامز المدن في البصرة وأصبحت جزءًا من ألوانها وتراثها.

وفي مدينة البصرة إيقاع آخر يسمى (السامري) ميزانه 6/8 وهو من الإيقاعات المشتركة مع دول الخليج العربي وخاصة الكويت وترافقه في أغلب الأحيان رقصات تسمى أيضا رقصة السامري، وغالباً ما كانت تتولى النساء غناء ورقص هذا اللون، ولكن مع الزمن أصبح غناءًا ورقصاً للرجال والنساء ويغنى دائماً في الأفراح.

وفي البصرة إيقاعات متعددة أوجدتها البيئة البصرية متأثرة بمياه شط العرب وبساتين النخيل والأراضي الخضراء الممتدة. ومن الإيقاعات البصرية إيقاع (النوبان) وهو إيقاع بسيط ميزانه 6/8 وأصل هذا الإيقاع من أفريقيا، جاء مع الأفارقة الذين قدموا إلى العراق للعمل في البصرة في أيام الدولة العباسية.  ويرافق هذا الإيقاع الطقوس الدينية الخاصة التي يقيمها الزنوج في البصرة في ليالي الخميس والجمعة والتي يطلق عليها(الزيران أو الزار).  وقد انتشر هذا الإيقاع منذ مئات السنين في البصرة وأصبح جزءا من تراثها وتاريخها.

وهناك أيضا إيقاع (النكازي) بنوعيه الخفيف والثقيل، وهو بدوره إيقاع نشط راقص ميزانه 6/8 استخدمه الملحنون البصريون في الكثير من أغانيهم.

وهكذا نجد أن بيئة محافظة البصرة من حيث موقعها على ساحل البحر والخليج العربي إضافة إلى بيئتها الزراعية جعل منها مدينة متنوعة الإيقاعات بسبب الوافدين وتأثيرات البحر.  وتوجد إيقاعات أخرى كثيرة ترافق الغناء في البصرة مثل القطري والعدني والجنوبي والقادري، وهذه بحاجة إلى بحث منفصل.

أما عن العاصمة بغداد فنجد أن البيئة السهلية وامتداد المدينة عل نهر دجلة جعلها هادئة بهدوء النهر. وظهرت الإيقاعات المناسبة لهذه البيئة، فمثلا نجد إيقاع (السنكين سماعي) المتكون من ستة كروشات في البار الواحد.  يرافق هذا الإيقاع العديد من الأغاني العراقية الشائعة في بغداد منذ أكثر من قرن من الزمان حيث اشتهرت المقاهي البغدادية بمطربيها ومغنيها الكبار.

وهناك إيقاع اليكرك وهو من الإيقاعات البغدادية المشهورة.  وفي وقت لاحق، أي في أوائل أربعينيات القرن العشرين، عُرف في بغداد إيقاع الجورجينا، وهو إيقاع ظهر في الموصل ثم انتقل إلى بغداد.

وتعد مدينة الموصل من المدن المهمة في العراق من حيث موقعها وثقلها التاريخي والحضاري إذ سكنتها الاقوام المختلفة الديانات والثقافات إضافة الى بيئتها المتنوعة بين السهل والجبل ما جعلها تتنوع في فنونها وموسيقاها. فقد برزت ومن زمن بعيد نسبياً شخصية الموسيقار الملا عثمان الموصلي وإسحاق الموصلي.  وللملا عثمان الموصلي أثره الكبير في الموسيقى العراقية بل وحتى في موسيقى سيد درويش الذي زاره في الموصل وأخذ عنه الشيء الكثير.  ويعتقد بأن للملا عثمان الموصلي فضل في ظهور إيقاع الجورجينا وانتقاله إلى بغداد.  وقد أهتم صالح الكويتي كثيراً بهذا الإيقاع ولحن عليه عددا كبيراً من الأغاني العراقية.  وتأثر من بعده ملحنون مثل عباس جميل ويحيى حمدي ومحمد نوشي وغيرهم إذ بنوا ألحانهم على هذا الإيقاع.

أما الجزء الغربي من العراق المتمثل في بادية وصحراء محافظة الأنبار، فقد تجسدت قسوة الصحراء في أهلها، وأصبحت إيقاعاتها بالتالي قوية رجولية.  فقد ظهر إيقاع (التشوبي) وترافقه رقصة الرجال أو كما يسميها أهل الأنبار (لعبة الجوبي) وهو إيقاع نشط راقص ميزانه أربعة على أربعة.

أما في الجزء الشمالي من العراق حيث تختلف البيئة اختلافاً تاماً عنها في الوسط والجنوب والغرب، إذ نجد هناك الجبال الشاهقة في إقليم كردستان العراق بألوانها الزاهية في موسم الربيع.  وقد أضفت هذه البيئة على سكانها روحاً ملونة تحاكي الطبيعة، فقد تلونت الأزياء الكردية ومع الأزياء تلون الغناء والإيقاع فبرز إيقاع نشط راقص ترافقه رقصات جماعية فرحة يسمى (الدبكة الكردية).  وهذا الإيقاع من ميزان أربعة على اربعة سريع ممكن أن ينشطر إلى اثنين على أربعة.

بقي الجزء الشرقي من العراق المتمثل بمناطق الأهوار والمساحات المائية بأجوائها الساحرة الهادئة التي تؤثر في نفوس أهل الأهوار فتجعلهم يتغنون بجمال الماء والخضرة والحياة الهادئة.  وقد يكتسي هذا الغناء الحزن الشفاف الذي يبكي الحبيبة وهموم الحياة، ولكن ما أن يحل الفرح في الأهوار حتى يستمع المرء للإيقاعات السريعة المبهجة، وأشهرها إيقاع (البزخ) وهو إيقاع سريع راقص وحداته اثنان على أربعة يتكرر باستمرار وبشكل سريع مع الغناء والرقص.

وهكذا نجد بأن الإيقاعات العراقية تداخلت وانتقلت من مدينة إلى أخرى.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الخميس, 30 حزيران/يونيو 2022 10:36
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تؤثر الموسيقى على القيم الاجتماعية لدى الشباب الجامعي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM