arenfrfaestr

ماذا تعرف عن الأوركسترا السمفونية (1) بتصرف (*)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

تمارس الأوركسترا السمفونية من خلال أصواتها المتعددة إغواء لانهائيا على المستمع، مثلها في ذلك كمثل صفارات الإنذار التي سحرت ذات يوم الإله أوليس «Ulysse».

يحب هاوي الموسيقى أن يلتقي مع الأوركسترا عبر سماع الأسطوانات، كما يحب أن يلتقطها عبر البث الإذاعي، لكن سعادته تزداد عشرة أضعاف عندما يتمكن من حضور حفل موسيقي مباشر على خشبة المسرح، حيث تقدم الأوركسترا بزهو عروضها. هناك يبرز الموسيقيون وهم في أبهى صورة، تتلوها بعد لحظة صمت إيماءةُ قائد الأوركسترا بالتحية معلنة عن انطلاق الموسيقى الساحرة. هاهنا يتصدر أورفيوس Orphée العازف حاملا أكثر من وجه، وهو يمجد ويهيج ويلامس أشد ألياف الحساسية سرية.

تلتئم الحركة المنتظمة للأقواس، ودقة تدخلات آلات النفخ، والارتعاشات المنضبطة لآلات النقر، فتثير في النفوس عوامل النشوة والانشراح؛ وعندما تشع الأضواء وتنير بانعكاساتها بريق الآلات النحاسية ينصهر الانطباع البصري مع الاطمئنان السمعي.

الأوركسترا السمفونية عالم سحري رائع لا يكشف أسراره بسهولة؛ ومع ذلك، فمن الممكن أن تتحكم في البهجة التي تجلبها. دعونا نتعرف على أسرارها.

 

أسرة كبيرة

تتشكل أسر الآلات في الأوركسترا من الوتريات وآلات النفخ بأنواعها الخشبية والنحاسية، وآلات النقر. وللحصول على مؤثرات سمعية خاصة يحتاج الموسيقي أحيانا إلى إضافة آلة "الهارب" (harp) أو آلة البيانو كما في "سمفونية على لحن جبلي" (Symphonie sur un thème montagnard) لفانسان داندي Vincent d’Indy، أو آلة الأورغن كما في سمفونية على دو الصغير (Symphonie en do mineur) لكميل سان سانس Saint Saëns Camille دون أن يكون لهذه الآلات أي دور انفرادي (صوليست) كما هو الشأن مثلا في الكونشرتو.

تتمتع أسر الآلات في الأوركسترا بشخصية قوية، وسيتعين على الموسيقي أن يقيس أهمية أصواتها ويوفق بينها من أجل الحصول على مادة صوتية متلائمة.

وتتوفر الأوركسترا العادية على آلتي "فلوت"، إحداهما صغيرة "بيكولو"، وكذا على آلتي "أوبوا"، وآلتي "كلارينت"، وآلتي "باسون"، وما بين آلتي "كورنو" أو "هورن" وأربعة، إضافة إلى آلتي "ترومبيت"، وثلاث آلات "ترومبون"، وزوج أو زوجين من آلة "تمبال" أو "تيمباني".  وقد تقضي الحاجة بإضافة "آلة الطبل الكبيرة"، وآلة "تامبور"، و"مثلث"، وزوج من "الصنج".

والوتريات خمسة أنواع: الكمان الأول، والكمان الثاني، والآلتو أو "فيولا"، والفيولان تشيللو وتعرف اختصاراً بالتشيللو، والكونتروباص.  وقد تتنوع تركيبة هذه الآلات، غير أنه يتعين أن تعادل قوتها قوة آلات النفخ بأنواعها الخشبية والنحاسية. 

 

اللوحة المرنة

عندما يكتب المؤلف للأوركسترا فهو يختار آلاته وفقا لطبيعة العمل الذي يفكر فيه، ثم وفقا للتأثيرات النفسية التي يرغب في إثارتها. وعلى عكس ما يعتقده المرء، فإن تأثيرات القوة لا ترتبط بالضرورة بحجم الأوركسترا، إذ ليس عدد الآلات هو المهم، وإنما المهم الطريقة التي تستخدم بها تلك الآلات. 

ومن أجل أن يترجم المؤلف المشاعر التي يحس بها، فهو يستخدم جرسا صوتيا مميزا، أو يخلق نسيجا ينصهر فيه أكثر من جرس موسيقي، مثله كمثل الرسام الذي يمزج بين الألوان المختلفة كي يحصل على الظلال التي يريدها. ومع ذلك فإن علم "التوزيع الموسيقي" ليس ثمرة بحوث عشوائية، ولكنه خلاصة قواعد، أو بالأحرى تقاليد جهود ماضٍ، ما انفك الحاضر يؤكد صلاحيتها.

 

هيكل الفكر الموسيقي

يرتكز هيكل الفكر الموسيقي على أوتار الآلات بما لها من مدى صوتي واسع ينطلق من أكثرها غلظة مع آلات الكونتروباص إلى أشدها حدة مع آلات الكمان؛ وهي تترنح بين الرشاقة والخفة، والرقة والدعابة، والقصر والامتداد. ومن شأن التنوع الكبير للجرس الذي يعكس الثروة اللحنية للآلات أن يفضي إلى خلق تأثيرات متعددة. وهكذا يكون في وسع المؤلف أن يجمع بين التشيللو والفيولا في لحن معبر شديد الاندفاع (مثال: الحركة الثانية من السمفونية الخامسة لبتهوفَن)، كما يكون في وسعه أن يشحن آلات الكمان بحمولات عاطفية جامحة الانفعال، أو على العكس من ذلك برسوم جافة وموقعة.

تمنح آلات الكونتروباص للأوركسترا الأساس النغمي للجمل اللحنية، كما تختزل النغمات المنخفضة في أشكال دوائر. وهي غالبا ما تلتقي مع التشيللو، ولكن مع الحفاظ على استقلالية ما انفك الموسيقيون المعاصرون يعملون على تطويرها بشكل مستمر.

تمتلك آلات النفخ شخصية مميزة، فهي بجرسها الغني بالتوافقات النغمية تكسو المواد الصوتية ألوانا زاهية وتضفي على نغمات الأوتار مسحة من البهاء.

ومن الممكن الجمع بين هذه الآلات في عمل واحد للحصول على أجراس ذات قوة تعبيرية عظيمة، مثلما يمكن استخدامها في المعزوفات المنفردة. ومن الأمثلة على ذلك: آلة الفلوت في "مقدمة بعد ظهر عصر فاون" Prélude à l’après-midi d’un faune  لـ كلود ديبوسي Claude Debussy – وآلة الأوبوا في "السمفونية الريفية" Symphonie pastorale لـ لودفيغ فان بتهوفًن  Beethoven – وآلة الكلارينيت في "لقاء المندرين العجيبة"  Le Mandarin merveilleux لـ بيلا بارتوك Bela Bartok  – وآلة الكورنو الإنجليزي في "الحركة الثانية من سمفونية على ري الصغير"  Symphonie en ré mineur, second mouvement لـ سيزار فرانك César Franck – وآلة الباسون في "الساحر المبتدئ"  L’Apprenti sorcier لـ بُّول دوكاس Paul Ducas ...

للآلات النحاسية صوت رنان على درجة كبرى من النبل والغنى. وتأتي في صدارة هذه الآلات الأبواق التي في وسعها أن تشحن اللحمة الهارمونية من خلال تركيب التآلفات. أما آلات الترومبيت فهي بما لها من روعة وإشراق تستخدم في تدفئة لحظات "الفورتي" الشدة، فضلا عن دورها في دعم التنامي الإيقاعي، وابتعاث مؤثرات غريبة ترافق ظلال "البِيانو"  piano الخافت في حالات كبحها بـ "كاتمات" الصوت (مثال: مختارات من موسيقى "ليليات للأوركسترا"  Nocturnes for orchestra لـ كلود ديبوسي (Claude Debussy.

وأما آلات الترومبون فهي بامتياز الصوت الصداح في الأوركسترا، إنها تضطلع بأداء الألحان الواسعة، وتغمر بكثافتها أكثر المجموعات الآلية وفرة دون أن تخنقها.

ووعيا من المؤلف الموسيقي ريشارد فَاكَنير Richard Wagner بمدى جمال الآلات النحاسية مجتمعة – ولا سيما بعد استكمالها بآلات أخرى كالساكسهورن saxhorns – فقد كشف عن أجراس جهورية في غاية العذوبة والفخامة (مثال: افتتاحية تانهوزر" (Ouverture de Tannhäuser.

وبصفة عامة، فإن آلات النقر تضطلع بدور خاص يتمثل في أنها تؤكد على الإيقاع، وتستفز الأوركسترا، وترفع المقاطع القوية إلى درجة الانفجار، غير أنها في الوقت عينه تظل قادرة على خلق رنين خفي ونافذ (مثال: الحركة الثانية من "كونشيرتو للبيانو" Concerto pour piano, deuxième mouvement لـ أندريه جوليفي André Jolivet)، وكذا خلق إحساس بالصمت أو الأسى (مثال: خاتمة "مشهد الحقول" من السمفونية الخيالية  Symphonie fantastique, conclusion de La Scène aux champs لـ هيكتور برليوز Hector Berlioz).

(*) Pinchard, Max. (12/1960). MUSICA, n° 81. imp CHAIX ( seine), p 26 - 27

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 01 آب/أغسطس 2022 08:25
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تؤثر الموسيقى على القيم الاجتماعية لدى الشباب الجامعي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM