arenfrfaestr

رفقًا ببيانك - بتصرف(1)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

يعتقد كثير من الناس أن حالة البيانو تتحسن باستمرار كلما تقدم به العمر، مثله في ذلك كمثل الكمان الإيطالي. ومما لا شك فيه أننا تعودنا بالتدريج على اهتراء الآلة الموسيقية، ومما لا شك فيه أيضا أن آلة موسيقية جيدة تكلف مبلغا ماليا محترما، غير أن هناك آلات بيانو مستخدمة تمتلكها مؤسسات موسيقية غنية، أو أشخاص ميسورون قادرون على اقتناء آلة موسيقية جديدة أو إصلاح آلاتهم المستخدمة، ومع ذلك فهم لا يعبأون بحالاتها المزرية بل لم يعد يخطر ببالهم الاهتمام بإصلاحها.

لقد وجدت الموسيقى من أجل أن تسمع، ومن العبث أن نشتغل السنوات الطوال من أجل امتلاك تقنية جيدة في العزف وتذوق موسيقي سليم إذا كان كل هذا الجهد سيفضي بنا إلى أن نجد أنفسنا أمام "مطارق" تحولت إلى ما يشبه "عُثَّة الصوف" تقرض بضرباتها المتواترة وبر الأوتار.

ومن العبث أيضا السعي إلى تمكين الطفل من اكتساب ثقافة موسيقية غنية إذا كانت الآلة التي نعتمدها في تعليمه - بدل أن تمنحه متعة الصوت التي هي في الحقيقة متعة العازف - لا تمنحه سوى أصوات باهتة غير متساوية يشوبها الصخب والضوضاء. وإن من الغباء الاعتقاد بأن الآلة الموسيقية التي أنهكها الاستعمال صالحة بما يكفي لتعليم المبتدئين؛ بل العكس هو الصحيح، إذ لا ينبغي أن يكون هناك شيء هو أقدر من الآلة السليمة على أن يأخذ بلب المبتدئ وإغرائه بمتعة الصوت التي تؤسس عليها سائر متع الموسيقى الأخرى، والتي بدونها يبقى العزف على الآلات مجرد مزحة لا جدوى من ورائها.

من هنا، فنحن أمام خيارين اثنين: أحدهما ان تتخذ آلة البيانو بمثابة أثاث يوضع عليه إناء الزهور وصور أفراد العائلة، فأنت في هذه الحالة لا حرج عليك؛ والثاني أن تعتبر البيانو آلة موسيقية، وبعبارة أخرى وسيلة لتحقيق الموسيقى، والوصول بواسطتها إلى تذوق هذه المتع التي لا تعوض، والتي تسعى للحصول عليها لنفسك أو لأطفالك. ففي هذه الحالة عليك أن تتخذ العدة اللازمة.  

ثم عليك أن تعرف الحقيقة التالية: البيانو آلة دقيقة ومعقدة، ومن واجبك بمجرد اقتنائها – مهما كان الثمن – أن تواظب على صيانتها ورعايتها والعناية بنظافتها، وأن تعلم أن المواظبة على استخدامها لسنوات طويلة ستؤدي حتما إلى اختلالها وبالتالي إلى اهترائها، الأمر الذي يوجب مباشرتها بالتسوية والإصلاح كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وإلا فإن آلتك سوف تتآكل ولن تعود قادرة على الاستجابة إلى ما يراد منها، وستصبح بمثابة آنية رديئة عاجزة عن إنتاج الموسيقى، مثلما ستتعرض آذان من يستخدمونها للانحراف عن التذوق السليم للأصوات. 

وجراء ذلك، لن يعود في وسعك إلا أن تسمع الصوت وقد انحرف عن طبيعته، وما يرافقه من ضوضاء لا تصل إلى عتبة الوعي السمعي، وغير أصوات "لِبدِيات" أقراص البيانو التي أنهكتها آلاف الصدمات وقد تحولت إلى ما يشبه الضرب بقطعة خشبية.  

كثير هم الأطفال الذين يعزفون (وأحيانا يشاركون في المسابقات) على آلات متآكلة تهشمت "لبدها" بفعل الرطوبة إلى درجة لا يمكن تصورها!  فكيف لنا مع هذه الضوضاء المزعجة أن نوفر لهؤلاء الأطفال السبيل لتذوق طعم الموسيقى؟  

وكثير هم – أيضا – أولئك الموسيقيون الذين يعتقدون جازمين أنهم يمتلكون آلة بيانو ممتازة، غير أنهم لم يسمعوها بعد. ثم ما أكثر أولئك الذين يزعجهم أدنى نشاز لحني، ومع ذلك لم ينتبهوا إلى أن أوتار آلاتهم غير مضبوطة التسوية!

 كم من مرة - وتحت الشعور بالاكتئاب بعد استماعي للجزء الأول من عرض موسيقي في العزف على آلات بيانو باهتة وسخيفة ليس لها من الحظوة غير كبر حجمها – أحسست فيها بالمواساة في فترة الاستراحة بعبارة التقطتها أذني: "لعلك أدركت أن لا أحد كان يستمع له! وهذا بالضبط ما يؤسفني! فهناك مئات الآلاف من المستمعين الذين قضوا حياتهم معتقدين أن موسيقى البيانو هي تلك الضوضاء ذات الجدوى المحدودة؛ ضعهم بالصدفة أمام عرض فخم لآلة البيانو، فسترى بأم عينك شدة إقبالهم على الاستماع.  

عندما أكشف عن عيب من العيوب العالقة بهذا الموضوع فأنا في ذات الوقت أحاول البحث عن علاجه. والعلاج هنا مسألة مال كثيرا ما يكون مبلغه مرتفعا يبعث على اليأس. ولكن صدقوني، فإن الصعوبات المالية أهون بكثير من الصعوبات النفسية، وأهون أيضا من الجهل بالمشكل القائم.

الآن وقد فتحتم أعينكم على الواقع المتردي لآلتكم، دعوني أصارحكم بأن أنجع وسيلة للإصلاح بالنسبة لكثير من الحالات التي وقفت عليها هي استبدالها بألة بيانو جديدة.  وتلك حالات بلغت الآلة فيها درجة من التلف تصبح معها كل محاولات الإصلاح غير ذات جدوى.

 تذكروا - بعد هذا – أنه لا ينبغي أن تعطى الأسبقية  للبيانو المتخذ للزينة على البيانو المتخذ للعزف والاستماع؛ وبصفتي موسيقيا، أعتقد أنه إذا لم نتمكن من الجمع بين جمال الأثاث وجودة الصوت في البيانو فعلينا أن نحرص على الجودة قبل التفكير في تناسق الألوان بين البيانو وبين أثاث الغرفة وأريكتها؛ وإذا كان سهلا أن تحيط نفسك بأفخر مظاهر الزينة من قبيل شراء سيارة فخمة، فإن من الحكمة ألا تتسرع في اقتناء آلتك، فستدرك أجلا أو عاجلا أن هناك حتما آلات بيانو من نفس العلامة التجارية هي أقل جودة من غيرها دون أن يكون للون خشبها علاقة بذلك. 

وإذا كانت آلتك حديثة وقابلة للإصلاح فعليك اتخاذ كامل الحيطة للتأكد من كفاءة من ستعهد إليه بإصلاحها.  والقصد هنا إلى ذوي الاختصاص الذين لم يتبق منهم غير النزر القليل بسبب طول المدة التي يتطلبها تكوينهم من جهة، وشح الزبائن وامتناعهم عن منحهم الأجر الذي يستحقونه من جهة أخرى، الأمر الذي أدى إلى عزوف شبابنا اليوم عن احتراف هذه المهنة التي لم تعد قادرة على أن تفي بشروط العيش الكريم، مثلما أدى إلى الاكتفاء بتعلم "دوزنة" الأوتار على علاتها، بالاعتماد على السمع المجرد.

هكذا تدهورت هذه الحرفة شيئا فشيئا بين أيدي أشخاص لم يولوها من الوقت ما يكفي لتعلمها، أشخاص تختزل كفاءتهم في امتلاك "مفتاح" شد الأوتار، يسوون به البيانو على عجل (بينما نعلم مبلغ العناية التي تتطلبها هذه العملية من متخصص حقيقي)، وهم يحسبون أنهم على شيء، ويحسبون أيضا أن الكم يقوم مقام الجودة التي تنقصهم. وهكذا انهار "رأس مال" هذه الحرفة في البلاد، وهو رأس مال اجتاحه الدمار إلى حد كبير بسبب انعدام الكفاءة وقصر نظر محترفي هذه المهنة وعزوفهم عن إيقاظ الرغبة في الجودة الكامنة لدى الهواة.

إذا خطر ببالك أنني أبالغ، فاسأل "النقابة الوطنية للتجارة الموسيقية بفرنسا"، وإن شئت فاطلب من هذه النقابة أن تدلك على تقني متخصص يمكنك الوثوق به وبكفاءته لإصلاح آلتك أو اقتناء بيانو جديد. فإذا اهتديت إليه فتعاقد معه على أن يرعى آلتك باستمرار في فترات منتظمة، وأن تسدد له مستحقاته كاملة مقدرا السنوات التي قضاها من أجل اكتساب الخبرة، وليس فحسب الساعات التي قضاها في مباشرة آلتك بالإصلاح.

سيفاجئك غلاء ثمن الإصلاح! وهذا صحيح، فقد وصلت حالة البيانو في فرنسا إلى حالة من التدهور أصبحت مدعاة إلى الاستبدال في غالب الأحيان بدلا من الصيانة ([2]).

إني لأعجب من هول المبالغ المالية التي تصرف في اقتناء السيارات من أجل متعة عابرة، ومع ذلك فسأكون مخطئا إذا اعتقدت عدم وجود هواة متحمسين بما يكفي للتضحية بجزء صغير من تلك المبالغ من أجل إصلاح آلة البيانو التي تضفي المزيد من النكهة على فرحتهم بالموسيقى. 

ومتى تم استصلاح آلتك أو استبدالها بأخرى تذكر المثل القائل: "تكلفة الرسام أقل من تكلفة النجار!"، ثم حاول أن تضربه مثلا لصيانة آلتك، وكلما كانت آلتك الموسيقية في وضع أفضل، كان عليك أن تكون مجادلا صعب المراس، لأن الحفاظ على حافة الشفرة الرفيعة أصعب من الحفاظ على حافة شفرة عادية. 

بودي الإشارة أيضا إلى الحالة المؤسفة التي توجد عليها آلات البيانو لدى كثير من الأساتذة. والواقع أن إهمال هؤلاء لآلاتهم التي من المفترض أن يلقنوا بواسطتها الموسيقى ليس إلا انعكاسا واضحا للامبالاتهم بالمنظومة الموسيقية بأكملها.

بودي أيضا أن ألفت نظر العديد من الأساتذة الجادين إلى نقيصة خطرة إلى حد ما من جانبهم تتعلق باستخدامهم آلات متواضعة وحتى في حالة يرثى لها خلال تلقين دروسهم الموسيقية، في حين تستلزم دروسهم الخاصة بتعليم العزف على البيانو جودة هذه الآلات، وهي جودة حرية بأن تجعل منهم في نفس الوقت قدوة صالحة يحتذى بها. 

ومن المؤكد أن ثلاث أو خمس أو سبع ساعات من الدروس اليومية على البيانو تضعفه نسبيا، كما أن الكثير من الجهود التربوية ستتبدد إذا لم تعد الآلة قادرة على إنتاج الصوت الذي ينبغي أن يرضي الأذن.



[1] Michel briguet : MUSICA n° 87 Juin 1961 imp CHAIX ( seine) p 9 – 12

[2]) يرتبط هذا الواقع في رأي الكاتب بالوضع الاقتصادي الذي كانت عليه فرنسا بعد حربين عالميتين، وذلك على النقيض - مثلا – من سويسرا التي لم تخض الحربين. 

Rate this item
(0 votes)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الموسيقى تحسن الذاكرة وتساعد على الشفاء؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM