arenfrfaestr

سلالة الموسيقيين الغجر (بتصرف)[1]

عبد العزيز ابن عبد الجليل

الغجر كلمة تحرك بشكل فطري ردود فعل متناقضة، يكتنفها لغز غريب يثير رد فعل دفاعي ويخلق في نفس الوقت افتتانا يصعب التخلص منه. إنها مرادف الحياة الشاردة، والحرية، والمغامرة.  وهي تثير الفضول تماما كما تثيره علوم السحر والتنجيم، وتفرض علينا – نحن المتحضرين – الاعتراف بوجود معضلات في العالم لا تستوعبها رؤيتنا العقلانية للتاريخ.

يكتشف الغجري نفسه على الفور من خلال تمرده الذي يؤكد نزوعه إلى الاستقلال. وهو يلبس الاسمال الرثة أو الملابس الفاخرة التي يستمدها من الشعوب التي يحل بها، ويجتذب الناس إليه بسلوكه ونظراته الملتهبة بنار الفتنة.  يقول مارتان بلوك Martin Block: إن اللغة عاجزة عن أن ترسم بوضوح مثل هذه النظرات، ذلك أن في عين الغجري شيئا مضطربا ومتحركا... هذه العين السوداء أو ذات اللون البني الكستنائي تفترش خلفية رحبة بيضاء يزيدها التضاد لمعانا. ويأتي شعره الأسود اللزج وما يحمله للزينة من ذهب أو فضة وكأنما ينافسان بياض عينية وأسنانه.

هكذا إذن يبدو الغجري في غير حاجة إلى الإعلان عن نفسه، فهو قد تجاوز الزمن، وكل همه أن يحافظ على أصالته، وأن يعرف كيف يستفيد من أناس هم أكثر منه تطورا.

الأصول

طرحت منذ القرن التاسع عشر عدة فرضيات لتحديد الأصول الأولى لسلالة الغجر. وقد ذهبت الآراء مذاهب شتى في هذا الصدد إلى أن توصلنا بفضل دراسة للهجة الغجر إلى معرفة موطنهم الأصلي؛ فقد تبين أنها لغة هندية تنتسب إلى السنسكريتية، دخلتها كلمات متعددة المصادر ما مكن علماء اللسانيات من تحديد مسيرة هذا الشعب عبر القرون.

تنقل الغجر على شكل قبائل رحل ليستقروا بين الشعوب في آسيا الصغرى، واليونان، وأوروبا الوسطى والشرقية، وفي مصر وشمال إفريقيا، وفي فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، وإنجلترا، وحتى أمريكا. وكان استقبالهم مترنحا بين الترحيب تارة والاضطهاد العنيف طورا؛ وعلى الرغم من طبيعة وجودهم كرحل فقد كان لهم تأثير لا يستهان به في العديد من المجالات من قبيل معالجة الحديد مثلا، وبصفة خاصة في المجال الذي يهمنا وهو "الموسيقى".

نسل موسيقي

الغجر موسيقيون بطبيعتهم. وتلك حقيقة لفتت النظر منذ القديم، فقد أعرب بهرام ملك الفرس في القرن الخامس عن إعجابه بهم وسعى في استخدامهم في قصره.  والغجري مع جهله الكامل لتقنيات الموسيقى فهو يستوعبها ويتذوقها لدرجة الجنون، فما أن يطرق سمعه لحن موسيقي حتى يعزفه فورا على الكمان آلته المفضلة، ويكشف عن قدراته الفنية بما يضيف إليه من زخارف لحنية لا تخلو من جمال تنساب عبر تقاطعات إيقاعية تبعث لحظة ملؤها السحر الفتان.

منذ أن وصل الغجر إلى أوروبا واستقروا بهنغاريا ورومانيا أصبحوا "مرادفا" لهذا النوع من الموسيقى.

وابتداء من القرن السادس عشر أصبحت أجواق الغجر في خدمة سادة القوم، دون أن تتخلى عن المشاركة في المهرجانات الشعبية، وبذلك لم يعد في وسع أحد أن يقاوم جاذبية الفرق الغجرية القادرة على تحريك كوامن المتعة في النفوس على اختلاف المستويات الاجتماعية.

في القرن التاسع عشر تحدث فرانز ليست في كتابه "عن البوهيميين وموسيقاهم في هنغاريا" بمنتهى الشاعرية الرومانسية فقال واصفا الانطباع الذي تركه في نفسه عزف الغجر: "تتعاقب الإيقاعات باستمرار وتتراكب وتتقاطع وتتجاوب مع أكثر أنواع التعبير، انطلاقا من أشدها عنفا إلى أقواها جاذبية".

ومن ثم تمظهرت الصورة التي اكتشفها كلود ديبوسي أثناء إقامته في بودابست والتي انتشرت منذ ذلك الحين في الأدب والسينما.

في أجواء أحد الملاهي الليلية ينطلق قائد فرقة غجرية في أداء معزوفة مغلفة بالأسى، ينزلق قوسه فوق الأوتار بمداعبات رشيقة، فإذا غادر خشبة المسرح - ومن خلفه بقية الموسيقيين- أخذ ينتقل من طاولة إلى أخرى، وهو يميل بجسمه نحو المستمعين ويرشحهم عطر الحب تزينه غمزات عين مصيبة.  ثم فجأة تطير الأقواس وترتجف من تحتها الأوتار، وقد تحولت إلى فريسة لحمى جنونية. وتتوالى الخطوط سريعة، يتلوها اهتزاز "ترعيدات" (tremolo) في "سرعة" (tempo) لاهثة عبر جمل ارتجالية جامحة الإيقاع. وفي "ألحان صغيرة متكررة" (basso ostinato) يمتد التعبير الموسيقي إلى حد الألم، ثم يتحول فجأة إلى ألف نجمة صائتة ترقص حتى النشوة؛ عندها تبلغ الحمى ذروتها، وتستدعي الرقص والتصفيق بالأيدي كما هو الشأن في سائر التظاهرات الفطرية.

الآلات

يعتبر الكمان - كما قلنا سابقا - الآلة المفضلة عند الغجر، اختاروها بدافع غريزي أكيد ووجدوا فيها الأداة الأكثر انسجاما مع طريقتهم في العزف. والغجري إذا أعوزه المال لشراء الكمان، عمد إلى صنعها بيده. وهو أيضا يستخدم آلة الـ "فلوت"، والـ "كلارينت"، وآلة الـ "تزيمبالوم" (tzimbalum) التي يعتبرها ملكا له. وتعتبر هذه الآلة ذات الأصل الأسيوي من صنوف الـ "تيمبانون" (tympanon)، ظهرت نماذجها الأولى في أوروبا بعد الحروب الصليبية على شكل لوحة رنانة شبيهة بالمنحرف يمتد عليها خمسة وستون صفا يحمل كل صف ما بين ثلاثة وخمسة أوتار وتضبط على طريقة غريبة ومنطقية في ذات الوقت، ويجري نقرها بمطرقتين مغشاتين باللبد.

تتكون الأوركسترا الغجرية عموما من عدة آلات كمان، ومن فَيولا، وتشيللو، وباص، يضاف إليها أحيانا كلارينيت وتزيمبالوم.  ويتولى القيادة عازف الكمان الأول الذي يطلق العنان لمخيلته، فيما تضطلع باقي الآلات بدور مساندته عبر بوليفونية مرتجلة، بعيداً عن كل محاولة لإظهار البراعة في العزف، مع الاكتفاء بتركيب "تآلفات" أو عزف اللحن الرئيسي في الديوان "الأوكتاف" الأعلى.

العازفون المَهَرَة

عرف الغجر على امتداد العصور عازفين ماهرين. وقد احتفظ التاريخ بأسماء كثير من هؤلاء كان من ألمعهم: كارمان Karman، وبارنا Barna مبدع "المسيرة المجرية" Marche Hongroise التي سيستخدمها برليوز بحنكة مع الأوركسترا، وبارون ميسكا Barun Miska صاحب "الأورفيه المجرية". على أن أكثر هؤلاء شهرة هو بدون شك بيهاري جانوس Bihary Janos الذي رسم له ليست صورة حميمية حين كتب قائلا: "يبعث عزف هذا الغجري الموهوب انفعالات شبيهة بتلك التي كان يحس بها أولئك الذين كانوا في العصور الوسطى مولعين بشرب الإكسير السحري". وغير بعيد عنا كان بيلا راديكس Béla Radics الذي حظي بإعجاب لا حدود له، وقد شيع جنازته ألف غجري بحضور مائة ألف شخص.

وعلى الرغم مما بلغته موسيقى الغجر من شهرة فقد أصبحت تفقد عفويتها يوما بعد يوم بسبب وقوعها فريسة للمزايدات والاحتكارات التجارية، مثلها في ذلك كمثل نجوم فن الجاز الذين استسلموا للمجاملات ورضوا بالسهل، فأصبحنا أمام مشاهد هي أقرب إلى الألعاب البهلوانية التي تنتزع التصفيق منها إلى العروض الموسيقية الجادة، كما أصبحنا نشاهد موسيقيين يعزفون، وقد وضعوا الكمان على رؤوسهم، أو رقابهم، أو ظهورهم، أو يمسكونها بأسنانهم ... أو يقلدون صفير الطيور بعزف النغمات الحادة، حتى لقد بلغ الواحد منهم حد الانغمار في التخيلات الشاذة أمام عجزه عن مقاومة إغراء الأوراق النقدية. وهكذا تحول "فن" العزف على الكمان إلى فرجة السرك البهلوانية.

أنواع ولغة موسيقى الغجر

استوعبت موسيقى الغجر ألوانا مجرية محددة هي الأغنية الشعبية، والرابسودي، والمقطوعات البوهيمية والراقصة المعروفة باسم "أزارداس" La Czardas. وتتكون مقطوعة "الأزارداس" من جزأين يشكلان تباينا: الأول بطيء الحركة ينطوي على تعبير حزين، (لاسّان) Lassan، والثاني حثيث الحركة (فريسكا) أو (فريس) Friska ou Friss. وقد وظف المؤلف ليست "الأزارداس" في معزوفاته "الرابسوديات الهنغارية" Rhapsodies hongroises فجاءت قريبة من الموسيقى الغجرية، شديدة البعد عن أن تكون هنغارية، لا تخلو مع ذلك من الروعة والزخرفة.

موسيقى الغجر الهارمونية فطرية صرف، وهي مجرد فسيفساء مشكلة من صيغ وقفلات (كادانسات) تلونها إيقاعات الأوتار، بيد أن هناك في آسيا والهند مقاما موسيقيا يستخدمه الغجر بكثرة، وهو مقام يحتوي على بعدين زائدين يضفيان على اللحن طابعا شرقيا قادرا على التعبير عن المشاعر الدقيقة.

الغجر والفلكلور

في عام 1859 نشر فرانز ليست كتابا يحمل عنوان "البوهيميون وموسيقاهم في هنغاريا". وقد جانب المؤلف الصواب في هذا الكتاب حينما اعتبر أن الغجر الهنغاريين هم مبدعو هذ الفن. وسوف يتأكد بالدليل أنه كان لهنغاريا فلكلورها الأصيل قبل وقت طويل من وصول الغجر إلى هذا البلد، مثلما سيثبت أن هؤلاء استولوا على هذا التراث وحرفوه إلى ما يوافق طبائعهم. 

في غياب معرفتهم للحقيقة لم ينتبه بعض المؤلفين الموسيقيين مثل هايدن، وبيتهوفَن، وشوبرت، وبراهمس - وهم يدمجون في مؤلفاتهم نماذج لحنية من "الأونكَاريس" Al ungarese - إلى أنهم كانوا ضحية خداع، وأن الألحان التي استعاروها كانت في الغالب محرفة عن أصلها من طرف الغجر. 

وسوف تظهر الحقيقة بشكل جلي في نهايات القرن التاسع عشر بفضل العمل الجاد الذي أنجزه زولطان كوداي Zoltan Kodaly وبيلا بارتوك Béla Bartok.  فقد كشف هذان الموسيقيان الخبيران بالموسيقى الفلكلورية عن حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن الموسيقى المجرية الحقيقية لم تكن في أيدي الغجر، وأن ما أدخله هؤلاء عليها من "زخارف" كان من شأنه طمس الجمال القديم للألحان المجرية الأصيلة والمرتبطة بحياة الفلاحين.

إن الحقيقة أقل جاذبية من الأسطورة، ويتعين وضع المفهوم الرومانسي لموسيقى الغجر في متحف الفرضيات الخادعة. ومع ذلك فما انفك الغجر يتمتعون بشعبية كبيرة بين العوام، وما زال صوتهم قادرا على إغواء الجماهير من خلال الموسيقى التي يعزفونها.

 

[1]  Pinchard, Max. (1960). MUSICA, n° 81. Seine: imp. CHAIX, 36 – 39.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 31 تشرين1/أكتوير 2022 13:24
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الموسيقى تحسن الذاكرة وتساعد على الشفاء؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM