arenfrfaestr

كيف أثرت التقاليد الموسيقية المتنوعة على هوية المملكة العربية السعودية وثقافتها

تقاليد الموسيقى الشعبية في المملكة العربية السعودية متنوعة ومعقدة، تجمع النغمات والإيقاعات والألحان المميزة إلى جانب الشعر والرقصات التي توارثتها الأجيال.   وعبر القرون، جاب الشعراء والموسيقيون شبه الجزيرة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، وتبادلوا ودمجوا أساليب التعبير من خلال الغناء والعزف والرقص.  

ويعكس المشهد الصوتي المعاصر صدى هذه التقاليد القديمة، والتي يعبر عنها من خلال الإيقاعات والأغاني الرائجة التي نشأت من الأدب الكلاسيكي والملاحم والقصائد البطولية، ما يعكس التاريخ والقيم والمعايير والوعي المجتمعي.

منذ ما قبل الإسلام، ساعد المطربون والرواة في نشر القصائد بين القبائل. ووجدت هذه الممارسة طريقها إلى بلاط الخلفاء، حيث قام مشاهير المغنين بتلحين القصائد وتقديمها لهذا الجمهور النخبوي.  ومع الوقت اختفت البلاطات لكن هذه الممارسات استمرت.

وتندرج جميع الألحان في المنطقة تقريبًا ضمن المبادئ الجمالية لنظام المقام الذي يعود إلى قرون، وهي السمة المميزة لموسيقى المنطقة التي تتصف بسلاسل من المقامات والسلالم وطرق الارتجال وتشكيل المزيد من الألحان ضمنها.

وتحتوي سلالم المقامات عادةً على سبع نوتات تتكرر على بعد ديوان (أوكتاف)، بينما يمتد القليل منها إلى ما بعد ثمانِ نوتات. وعلى الرغم من عدم وجود ممارسات هارمونية مقصودة في هذه الموسيقى، يمكن أحيانًا سماع أبعاد توافقية (هارمونية) تمر للحظة أو لحظتين.

0010a.jpg

 

إلى جانب الألحان، توجد طبقات من الأصوات المصاحبة في الموسيقى السعودية ناشئة عن التصفيق والرقص الذي يشتمل على خطوات راقصة بانسجام أحادي، مثل رقصة "الدحة" في الشمال، و"الخطوة" في الجنوب الغربي.

وثّق المستشرق السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت، أثناء زيارته للحجاز عام 1814، التدوين الموسيقي المميز للمنطقة في كتابه “رحلات في شبه الجزيرة العربية”، حيث وصف غناء النساء في إطار من التبادل بين مجموعتين تضم كل مجموعة منهن ست أو ثمان أو عشر نساء، بحيث تبدأ إحدى المجموعتين بالغناء وتردد المجموعة الثانية من بعدها. 

وتوجد في الحجاز ثقافة موسيقية غنية قائمة على تقاليد الأغنية التي لها ألحان أكثر تعقيدًا من أي مكان آخر في المملكة، ويعبّر عنها باستخدام آلات مصاحبة مثل العود والقانون والناي ومؤخراً الكمان.

ولقرون عديدة، كان لمدن مثل مكة والمدينة حياة موسيقية تنافس أو حتى تتفوق على مدن عربية مجاورة، مثل بغداد والقاهرة حيث كانت الموسيقى تؤدى بوفرة في البلاطات الملكية. 

وتجدر الإشارة بأن أسلوب حياة البدو المتميزة بالتنقل والحل والترحال حالت دون التزود بأمتعة إضافية بما فيها الآلات الموسيقية، ما جعل هذه البيئات تميل إلى الاكتفاء بآلات بسيطة والتصفيق ما شكل أساساً في مصاحبة هذه الموسيقى.

 

0010b.jpg

الملك سلمان يشارك في “العرضة” وهي رقصة حرب قديمة

 

كانت الطبول ولا زالت تعتبر فرقة موسيقية (أوركسترا) بذاتها، حيث تستخدم معظم الموسيقى الشعبية السعودية والخليجية طبولًا يدوية تمسك باليد اليسرى ويقرع سطحها باليد اليمنى بإيقاعات فريدة متعددة الأصوات.

وتندرج طبقات أخرى من الأصوات القرعية الموقعة في الموسيقى السعودية تحت مصنف التصفيق والرقص، والأخيرة تنقسم إلى فئتين كما أسلفنا: أولى تشمل خطوات أحادية جماعية منسجمة مثل رقصة "الدحة" في الشمال، و"الخطوة" في الجنوب الغربي.  والثانية عبارة عن رقص حر، غالبًا ما يؤدى إما منفرداً وإما زوجياً من قبل راقصين يرتدون العباءات الملّونة.

هذا، ويمتزج الشعر الرثائي بالغناء وقرع الطبول والحركات البطيئة المهيبة. و"العرضة"، وهي رقصة حرب قديمة، أصبحت فيما بعد رقصة سلام احتفالية، وتعتبر اليوم جزءًا "أيقوني الطابع" داخل الثقافة السعودية التقليدية.

والقصائد التي تغنى هي ذات مواضيع وطنية، وتحكي حركاتها التي تؤدى بإجلال وذكورية وكبرياء قصة تاريخية تتحدث عن صفات ترتبط بالشجاعة والمرونة والاستمرار.

وفي المنطقة الشرقية بالمملكة، تُستمد الفنون الشعبية من تقاليد المنطقة الغنية مثل الغوص بحثًا عن اللؤلؤ والملاحة البحرية وزراعة الواحات والتجارة عبر المسافات الطويلة.  وتوجد في منطقة الأحساء أغاني قطف التمر، وأغاني الرعاة في الجنوب الغربي ومناطق أخرى.

 

0010c.jpg

المطربة طروف عبد الخير آدم، المعروفة فنياً باسم عتاب

 

لم تظهر هذه التقاليد وكأنها في عزلة تامة عن مواطنها؛ فالقوافل التجارية، والحج، والبحث عن مراع جديدة حملتها لمسافات بعيدة وجعلتها تمتزج بالثقافات الأخرى تتأثر بها وتؤثر في الوقت نفسه.  ويقول الشاعر والكاتب السعودي عبد الله ثابت بهذا الصدد ما مفاده: أنك إذا نظرت إلى خريطة المملكة العربية السعودية ستجد أنها محاطة من جميع الجوانب بتقاليد موسيقية وغنائية مختلفة، فلديك اليمن جنوباً، والعراق والشام وتركيا شمالاً، ودول الخليج شرقاً، ومصر والسودان غرباً، وكلها أثرت وتأثرت بالمناطق السعودية على مدى قرون.  لذلك من الصعوبة بمكان تمييز أي أسلوب موسيقي هو سعودي بحت.

ويضيف ثابت أن الأسلوب الموسيقي الحديث الذي يمكن وصفه سعودياً بامتياز طوره الفنان الكبير طارق عبد الحكيم، الذي كان في حينه القائد العام لفرق موسيقى الجيش السعودي، وهو الفنان الذي لحن النشيد الوطني السعودي.

0010d.jpg

 

وفي الحجاز، توجد ثقافة موسيقية غنية قائمة على تقاليد الأغنية التي تحتوي على ألحان أكثر تعقيدًا من أي مكان آخر في المملكة.  

واعتبرت مساهمات عبد الحكيم، الذي توفي عام 2012 عن عمر 92 عامًا، نقطة تحول للموسيقى في المملكة، إذ نقل الموسيقى السعودية من اللحن السمعي إلى التدوين الموسيقي المدوّن على أسس علمية سليمة.  ]الجدير بالذكر أن المجمع للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية حظي برئاسة الفنان طارق عبد الحكيم له في السنوات من سنة 1983 إلى سنة 1992[.

ويضيف ثابت: أن الفنان عمر كدرس، وهو تلميذ عبد الحكيم حاول التوفيق بين إيقاع وأصوات الفولكلور "لتوليد أصوات جديدة في الموسيقى السعودية”.

وكان طلال المداح، رائد الموسيقى السعودية المعروف باسم صوت الأرض، أول من غنى الأغاني الطويلة.  وساهم محمد عبده من بعده في تعميم الشكل الموسيقي الجديد، لكننا سنجد قبل هذا الشكل الجديد والناضج موسيقى سعودية وقف وراءها عظماء مثل هاشم العبدلي، وحسن جاوي، وعبد الرحمن مؤذن سيد بلاتين.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين اتسعت رقعة الحركة الفنية السعودية وشهدت ظهور العديد من الملحنين مثل سراج عمر وعمر كدرس والعديد من المطربين وعلى رأسهم المداح، محمد وأبو بكر سالم، ثم عبد المجيد عبد الله، وعبادي الجوهر، ورابح صقر، وراشد الماجد، وغيرهم.

ويقول ثابت: "وظهرت أصوات نسائية أيضًا، رغم أنها كانت محدودة للغاية، مثل ابتسام لطفي، وعتاب، وسارة قزاز، وتوحه، وكن أقرب إلى الغناء الرائج".

واليوم، تشمل الموسيقى السعودية نماذج متعددة من موسيقى الجاز والهيب هوب والراب والتكنو والروك أند رول.  والعديد من هذه الأنواع تتضمن جوانب من تقاليد الفولكلور، مثل أغاني ماجد العيسى "لايف ستايل سامري"، و"ليحي"، و"هواجس".

0010e.jpg

 

ليس من الواضح على الفور للأذن غير المدربة ما الذي يشكل بالتأكيد أسلوبًا موسيقيًا سعوديًا متميزًا تجاوز الحدود الإقليمية للمملكة.  وفي حين أن هذه التقاليد ملونة وحيوية، نرى الشباب السعودي ينجذب أيضًا إلى أنواع من الموسيقى الأجنبية.  وقد أحدثت "جارا"، وهي واحدة من أصغر وأشهر الفنانات السعوديات، ضجة كبيرة عندما تم إصدار أغنيتها الراب "966" في عام 2020.  وبدوره، يواصل فنان الهيب هوب "قصي" ترك بصماته بعد عقد من انطلاقته الأولى.

ويقول منتج التسجيلات في الخبر سعود التركي: "إن استخدام الأصوات من المنطقة هو ببساطة وسيلة للاحتفال بتراث يغذي مفهوم تصدير ثقافتنا الجميلة". ويضيف: "وبصفتي منتجًا، لم أرغب أبداً في الشعور بالقيود فيما يتعلق بالأصوات التي يمكنني الاستفادة منها. ففي رأيي، التواصل مع جمهور عالمي هو أكثر تأثيرًا.  والجميل في الأصوات السعودية أن بالإمكان سماع مصادر إلهامها من أجزاء أو مواقع جغرافية مختلفة في المنطقة ".

قبل أن تبدأ المملكة في الانفتاح في عام 2016، بدأت بتعزيز الصناعات الإبداعية بمشاركة الشباب. ويقول التركي في هذا الصدد: إن تجربة الأساليب الموسيقية لم تكن شائعة.  ففي ذلك الوقت، لم يكن هناك دعم من الهيئات الحكومية والشركات الكبرى. وعلى العكس من ذلك، لم يتلق أصحاب هذه التجارب نفس القبول والاحترام والدعم الذي يتلقاه الفنانون الحاليون.

واليوم، تحتضن المملكة العربية السعودية، دون إغفال تراثها، تنوع موسيقى العالم والأذواق المرتبطة بها.  ويقول التركي في هذا السياق: "يجب التذكر دوماً من أين أتينا، فالمملكة العربية السعودية متنوعة تاريخيًا ولا يوجد شيء أجمل من ثقافة متنوعة.  ولدينا أصوات مختلفة في كل منطقة تستحق التقدير والعرض ومن واجبنا إبراز هذه الأصوات وتكريمها".

المصدر: آراب نيوز (ببعض التصرف في الترجمة)

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 31 تشرين1/أكتوير 2022 13:22
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل الموسيقى تحسن الذاكرة وتساعد على الشفاء؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM