arenfrfaestr

هل سيحترف طفلك الموسيقى - 1؟ بتصرف[1]

عبد العزيز ابن عبد الجليل

نادراً ما تنبثق الموهبة بشكل واضح قبل سن المراهقة.  ونادرة أيضا نسبة الأطفال الذين يظهر بجلاء أن التعليم الآلي والموسيقي سيشكل بالنسبة لهم وظيفة تتيح لهم سعة في العيش. ذلك أن عددا غير قليل من هؤلاء قد يكونون في حاجة إلى إجراء اختبار يكون بمثابة مسح من شأنه أن يسلط الضوء على إشارة ما أو على موانع بشكل أكثر دقة من النظرة الأولى، مثلما أن هناك أيضًا أطفالا آخرين لا نعرف – عن حسن نية - ماذا نفعل من أجلهم. 

إنها واحدة من تلك المشاكل المتعددة التي يطرحها على الآباء تعليم أبنائهم، والتي لا يستطيعون معها – مهما بلغت درجة عنايتهم وتَرَوِّيهِم من الوثوق – استبعادَ مسألة "الحظ"، وتجاهل "المستقبل" الذي هو وحده القادر على تحديد ما إذا كان قرارهم صحيحًا أم خاطئًا.  وحتى فيما إذا برزت حالة معينة، فإنه يتعين توخي الحذر الشديد قبل اتخاذ أي موقف، علما بأن فحص هذه الحالة - مهما بلغ من الدقة - يظل قاصرا عن كشف سائر عناصرها.

من المؤكد أن تجاهل الإمكانات الموسيقية للطفل والنكوص عن تنميتها لمما يعتبر خسارة لا يمكن تعويضها؛ ولكن من المزعج بنفس القدر إجبار هذا الطفل على عمل طويل وممل، إذا لم يكن لديه من القناعة ما يوقر في نفسه الاطمئنان إلى أن هذا العمل سيؤتي ثمارًا كافية في يوم من الأيام.  لا عيب في عدم امتلاك القدرات الموسيقية، لاسيما ونحن نعرف رجالا بارزين يحيون حياة مطمئنة وهم على جهل تام بالموسيقى.  قس على هذا أننا نعيش جميعا ونحن في حاجة إلى الاختيار بين الاحتمالات المتاحة لنا على تعددها، والتي لن نحتفظ، في النهاية، سوى بجزء صغير منها.[2]

يشكل اختيار التعليم الموسيقى الجاد بالنسبة للأولياء أكثر الاختيارات صرامة، وذلك لأنه يستبعد كل نشاط فني آخر، مثلما أن هذا النشاط الآخر يستثني "النشاط الموسيقي" إذا لم يكن همنا أن نجعل من الطفل المتعلم (متشعب الاهتمامات) قصارى جهده أن يتحدث في كل شيء دون أن ينفذ إلى صلبه.  

من هنا يتجلى أن المشكلة تكمن تحديدًا في معرفة النشاط الذي يجب اختياره، وذلك لأن المغامرة الموسيقية لا يمكن أن تكون سوى مغامرة شخصية.  ولا مجال - من أجل تبرير هذا الاختيار - للتذرع بالانتساب إلى جَدٍّ ما كان يرتجل الموسيقى لساعات طوال، أو عمة ما حصلت قبل الزواج على جائزة بالكونسرفاتوار.  فلا طائل من وراء كل هذه المبررات عندما نرى مواهب تنشأ في عائلات لا صلة لها بالموسيقى، أو عندما نجد أطفالًا لا حظ لهم من الموسيقى في عائلات كانت الموسيقى بالنسبة لها ضرورة كضرورة الخبز.  أما فيما يخص التكوين الفني لابنك فكل شيء يرتبط به شخصيا انطلاقا من اعتباره شخصا متحررا من كل التقاليد والالتزامات، ومن هنا يتعين النظر إليه بموضوعية كافية لمعرفة ما إذا كانت ملكاته الفنية تفرض أن يكون تعليمه موجهاً نحو نوع محدد من أنواع الفن بدلاً من أي توجه آخر، وكذا لمعرفة ما إذا كان الجهد الإضافي الذي يستلزمه هذا التوجه كفيلا ًبأن يضمن له فرصا كافية لتوفير مشاعر الفرحة النفسية بنسبة تفوق بكثير ثمن الجهد الذي بذله.

وفي حال اتخاذنا هذا القرار، سنكون قد كشفنا جوهر المشكلة، غير أننا في نفس الوقت نبقى بعيدين عن حلها.  فبين الموهوبين وغير الموهوبين توجد حالات متعددة من الصعب معرفة ما إذا كانت تنطوي على "موهبة" لم تكتشف بعدُ – وهو افتراض لا ينبغي استبعاده- أو على عدم وجود مواهب بالمرة – وهو افتراض يتعين استبعاده.

بهذه المناسبة أذكر أنه كان لدي طلاب لم يكن العمل الموسيقي بالنسبة إليهم مصدر إزعاج؛ ولم يقتصر الأمر على أنهم كانوا في غير حاجة إلى التشجيع أو التحفيز من جانبي، بل كانوا يقومون بإعداد التمارين المطلوبة منهم بين الحصص الدراسية، ودونما حاجة أيضا إلى مراقبة أوليائهم. هؤلاء الأطفال يتمتعون عمومًا ببنية جسمية مستوية وجهاز عصبي متوازن.

هناك شبه أسطورة متداولة بين بعض المعلمين تحكي أن سائر الطلاب ينجزون عملهم متى توافرت لهم أجواء الفرح واليسر والانشراح. ومن حق كل واحد أن يعتبرني عاجزا إذا لم أساير مثل هذا الرأي المتفائل بشأن السهولة التي يمكن بها الحصول على النتائج مع الطلبة العاديين. 

في كل مجموعة من الطلبة توجد فئة نادرة من القادرين على التقدم في الدراسة بكل سهولة، وأخرى مثلها نادرة أيضا من الذين لا يحققون أي تحسن حتى ولو اجتهدوا؛ وبين الفئتين يتموضع كل الآخرين الذين يشكلون غالبية المتعلمين.  وسوف يكون ابنك محظوظا جدًا بأن يكون واحدا من بين هذه الغالبية العظمى من الأطفال العاديين، هؤلاء الذين نشأوا منذ العصر الحجري على حب اللعب أكثر من العمل، وكانوا دائمًا يؤْثرون الحياة أحرارا على الحياة المضنية بالعمل المنظم.

من الوهم المحفوف بالمخاطر الانسياق وراء اعتقاد أن التقنية الآلية تكتسب بواسطة طرق وأساليب عفوية تلغي الجهد التطوعي للمتعلم. فلطالما اجتهدت في ابتكار طرق وأساليب بارعة للغاية لتعليم الموسيقى للأطفال، وجذب انتباههم بطريقة تجعلهم يشعرون أنهم يلعبون ولا يعملون.  كان ذلك من أجل إغناء وإثراء تجربتي في مجال التدريس؛ غير أنه تبين لي أن الاستمرار في ركوب هذه الأساليب يشكل عملا عبثيا غير ذي جدوى بل وخطيرا، إذ سرعان ما يأتي وقت يصبح فيه اللعب والاندفاع التلقائي غير كافيين البتة، ويغدو جهد الطفل ونشاطه الشخصي بمثابة القوة الدافعة الرئيسة التي بدونها لا يمكن إنجاز شيء جاد.

في مقابل متعلم واحد ينكب على آلته دون أن يكون من ورائه من يكرهه على ذلك، يوجد خمسون متعلما يشكل العمل الآلي اليومي بالنسبة إليهم عبئاً ثقيلاً يضاف إلى واجباتهم المدرسية. ولن ننجح في حمل هؤلاء على القيام بهذا العمل، إلا إذا واظبنا بمنتهى الصرامة على إجبارهم من خلال معركة مرهقة ضد الكسل والخمول ومن أجل إحباط آلاف الحيل التي يتوسلون بها باستمرار.  وقد تستمر هذه المعركة لفترة طويلة جدًا، غالبًا ما تمتد حتى اللحظة التي يدرك فيها الطفل بعد لأي جدوى الجهد الذي لم يكن يحب أن يبذله.

ومن الصعب للغاية بالنسبة للوالدين الأكثر حنوا التمييز بين مقاومة أطفالهم التي تعني عدم جدوى الجهود المبذولة، وبين المقاومة التي هي شكل من أشكال هذا الرفض للجهد الدؤوب. هناك أطفال يبدو بشكل واضح أنهم غير موهوبين على الإطلاق لدرجة تحمل على التخلي عنهم بسرعة ما دام أن لا جدوى من صراع عديم الفائدة، لا يجنى من ورائه غير الضرر؛ وهناك إلى جانب هؤلاء فئة أخرى من الأطفال من المحتمل أن تشكل هواة متميزين.  ومن المؤكد أن بعضهم سيكونون في يوم من الأيام ممتنين لآبائهم لأنهم علموهم النضال الطويل والمثير في كثير من الأحيان ضد قلة خبرتهم، ووضعوا بين أيديهم إمكانية عز نطيرها للتطور الشخصي.

تربية الأطفال محفوفة بالصعوبات النابعة من هذه الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا، والتي – بكل صدق - لا نعرف ما إذا كنا نفعل الصواب أو نركب الخطأ في الإجابة عن أي قرار نتخذه بالنسبة لأطفالنا.  ولكن عندما ينفر الطفل المتعلم من حفظ روافد نهر لاكَارون La Garonne أو تفرعاته - مثلا -، فإننا نعلم أنه يتعين أن يعرف ذلك، سواء أحب أم كره، وتلك هي سنة تطور المجتمع التي تتطلب توفر القدرة على مواجهة اختبارات واستيعاب دروس معينة من أجل كسب العيش مستقبلا.  ولأن الضرورة تلزم، فلا مجال لقبول التمنع الذي يبديه المتعلم.  على أنه بالنسبة للفن، لا يبدو أن هناك ضرورة لتعلمه. ذلك أن أقصى ما يبتغيه الهاوي من الفن لا يتجاوز الحصول على ما يرضي ذاته، ومن ثم فلا جدوى له في ممارسته. فبأي حق نجبره على تعلمه؟

ليس في وسعي تقديم أي إجابة شافية للأولياء، وإنما حسبي أن أنصحهم بتوخي الحذر الشديد. واعترف بالمبدأ القائل بأن العمل الذي نقوم به هو من أجل الطفل، وليس من أجل إرضاء رغبات الأسرة، وأنه ما انفك يتعين علينا اتخاذ أقصى الحذر لفهم ما إذا كنا على حق أم على خطأ حين ننخرط في معضلة توجيه أطفالنا.  ومثل العديد من المشكلات التربوية، فسوف لا يمكن حل مشكلة نزوع الطفل عن الفن بمعزل عن غيرها، وإنما عن طريق تواصل عاطفي وألفة تدعمهما مؤازرة الوالدين.  فعن طريق التفاهم أو الصداقة يجد العديد من المشاكل العويصة طريقه إلى الحل؛ وقد يكون من الحكمة أن يتنظر الأب سنة أو حتى ثلاث سنوات لتحقيق مزيد من النضج - فإن النضج المبكر غالباً ما يكون خدعة - أو أن تنكشف بعض الآفاق (كلقاء صديق ما على سبيل المثال) تنبئ بتغيير موقف الطفل تجاه الموسيقى.

ومن يدري، فلعلك تضطر – آسفاً - إلى العدول عن رغبتك في أن يكون طفلك فناناً موسيقياً نشيطاً.  في هذه الحالة سيكون من واجبك – انطلاقا مما جبل عليه وليس مما تريد له أن يكون - الحذر أولاً وقبل كل شيء من إثارة اشمئزازه من الموسيقى وتحريك عوامل النفور في نفسه منها.

تشكل كل حالة – على حدتها - واقعاً محاطاً بعلامات استفهام؛ وإذا كان من الضروري أحياناً الاستبسال في معركة مزعجة، فمن الضروري أيضاً معرفة كيفية الاستسلام أحياناً؛ فقد لا يدرك طفلك متعة الممارس للموسيقى، ولكن ربما وفقت في أن تُعبِّد له سبل الاستمتاع بالموسيقى عن طريق الاستماع لها.


 

 

[1] Michel Briguet. MUSICA n° 88 Juillet 1961 imp CHAIX ( seine) p 23 –26.

2 ذات مساء، بعد حفلة موسيقية، أوضحت لي إحدى الأمهات الصعوبات التي كانت تواجهها في توجيه التعليم الموسيقي لأطفالها. ولأنني لم أر ساعتئذ كيف يمكنها حل بعض المشاكل التي يطرحها تحفظ إحدى بناتها، سألتها عما إذا كانت قد فكرت في توجيهها نحو فن الرسم مثلا.  والواقع أنني واجهت الكثير من المتاعب في جعلها تفهم أنني لم أسخر منها، وأنني إنما أردت إرشادها إلى معرفة كيف تختار. فقليل هم الأطفال الذين لا يمكن لثقافة الفن أن تساهم في ازدهارهم؛ لكن أي فن؟  هذه إحدى المشكلات التي يتعين على الآباء طرحها قبل التفكير في حلها.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

واقع العلاج بالموسيقى في العالم العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM