arenfrfaestr

ضرورات الحفاظ على تراث الموسيقى الأندلسية "الآلة" نموذجا

عبد الفتاح بنموسى

يعيش العالم عواقب مجموعة من الإيديولوجيات ومن الأنظمة الاقتصادية التي حاولت وتحاول أن تخترق المجتمعات العالمية على اختلاف تقاليدها وعاداتها وتراثها لتخلق مجتمعاً دولياً نمطياً لا مكان فيه للخصوصيات والهويات، وتمرر من خلاله خطاباً سياسياً واقتصادياً يخدم مصالح فئة معينة – وهي في الغالب مصالح اقتصادية بحتة في الظاهر، إلا أنها تستهدف في عمقها قيماً إنسانية نبيلة ليحل محلها الجشع والغرور وحب النفس والانحلال الأخلاقي.

وفي ظل هذا الغزو الفكري الهدام كان لزاما الانتباه للخطر الذي تواجهه المجتمعات، ولا سيما الفئات المستهدفة من الفتيان الشباب ذكوراً وإناثاً من تيارات هدامة ومظاهر وممارسات بعيدة عن سلوك مجتمعاتنا، لا سيما الآن في غياب تقاليدهم وعاداتهم وتراثهم، وفي غياب تربية تهدف إلى تمكين الشباب من معيار يقيسون به كل سلوك مستورد.

والتراث الفني بكل تمظهراته وبمحيطه الحضاري الاجتماعي والعمراني كفيل بخلق هذا المعيار، عبر تربية جمالية نابعة من الكلمة المعبرة، والصورة الشعرية الجميلة، والألحان التي تهذب المشاعر وترتقي بالنفوس على الشفافية والرقة في السلوك.

والموسيقى الأندلسية "الآلة" بأبعادها الأدبية واللحنية نموذج من التراث المغربي، وجانب من الهوية المغربية باعتبارها تعبيراً راقياً عن الحب الصادق، ونظرة جمالية للكون والإنسان، ووسيلة من وسائل التربية الجمالية، وإبداع إنساني على مستوى الشعر واللحن، وجرس طروب من اللسان العربي المبين، ولحظة من اللحظات الجمالية التي عاشها المواطن المغربي منذ قرون.

وموسيقى بهذه العراقة وبهذا الثقل الأدبي والموسيقي، وأمام التحولات العالمية، والغزو الفكري والفني، غدت المحافظة عليها ضرورة ملحة.

وهذه المحافظة لا بد أن تأخذ أبعادا متعددة سواء فيما يتعلق بمادة الموسيقى الأندلسية من أشعار وموشحات وأزجال، أو ما يتعلق بألحانها وطبوعها وإيقاعاتها، أو ما يتعلق بآلاتها العريقة كعود الرمل وباقي الآلات الوترية والإيقاعية، أو تأطيرها نظريا لتمكين الدارسين والباحثين والمهتمين من تعرفها، أو صونها من ممارسات تمس جوهرها كموسيقى عالمة وعلاجية، والاهتمام بحفظتها وممارسيها من عازفين ومنشدين وحقوقهم، وكذا الاهتمام بهذه الموسيقى على مستوى التشريع.

وقد بذلت جهود كثيرة في الحفاظ على ديوانها الشعري بأنماطه الأدبية من طرف مجموعة من المولعين والباحثين والممارسين لتيسير الحصول على دواوين تشمل كل ذاك التراث الأدبي، ومن هذه الدواوين ديوان  حافظ على أشعار نوبتين ضاعت ألحانهما وهما نوبتا الحسين وعراق العرب وهو ديوان نسخة المؤرخ محمد داود التطواني الذي هو من أجمل الدواوين، إلا أنه ولحد الآن لا إجماع على مضمون هذه الدواوين لكون المجهودات كانت متعددة وفردية، وليس من تراكم تحقيقي لهاته الأشعار، ولزم عرض ديوان الموسيقى الأندلسية على لجنة مختصة لتحقيقه ، ودراسة العلاقة بين ما هو مكتوب وما هو مغنى.

ذلك أن الحفاظ على هذا الديوان هو استثمار لثراء أدبي لمجموعة من الشعراء والوشاحين والزجالين لمسوا في إبداعاتهم مجموعة من القيم الإنسانية النبيلة، وأغراضا شعرية متنوعة، ويعتبر فيضا رقراقا من الصور الشعرية البديعة التي تبعث فينا رؤية جمالية للكون والإنسان.

كما بذلت مجهودات على مستوى توثيق الألحان لحفظها خوفاً من ضياعها، ووضعها رهن إشارة المهتمين.  ولا زالت هذه المجهودات متواصلة، لتحسين هذا التوثيق والبحث عن كل السبل الكفيلة بتبليغ الألحان بالطريقة الناجعة.  والأمنية بتجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة متقدمة من اجل توثيق هذه الألحان لفائدة الفرقة الموسيقية بآلاتها التقليدية وبإشارات التعبير وبيان امتداد الحركة أثناء الغناء كانت نصباً أو كسراً أو رفعاً أو تنويناً بإحداث رموز لذلك.

وكون الموسيقى الأندلسية "الآلة" موسيقى عالمة فإن تأطيرها نظريا ضرورة ملحة للمحافظة عليها حتى يسهل فهمها واستيعابها من طرف أكبر عدد ممكن من المهتمين والباحثين وكذا الشباب لتُفهم بنيتها ومصطلحاتها وكذا طرق أدائها ويتوحد فيها الخطاب.

هذه النظرية التي تطورت عبر الحقب التاريخية، وقطعت أشواطاً لتجد أساسها في قواعد الموسيقى العربية كما عرفها الناظرون في علم الموسيقى، وكذا في تطور اللحن العربي في الأندلس بعد أن امتزج بالألحان الوسيطية ليصبح مع النابغة أبي بكر بن باجة أسلوباً متميزاً في التلحين وينتشر في شمال إفريقية، وينتظم هذا اللحن من بعد في مسار إيقاعي يضع الصنعة في إطار حركي معين، ويجعلها جوهر النوبة وحلية الميزان بكل ما جد في المقطوعة الغنائية من هذا التمازج من لحن مغاير بجانب اللحن الرئيسي، وترنانات استغلت فيها الحروف التي تمتد في النغم والحروف الممتزجة وحروف الغنة، ومقدمات موسيقية وشحت جواب البيت الأول منها أو صدر البيت الثاني من الصنعة الثنائية.

وقد بذلت جهود في هذا المجال من طرف باحثين أجانب ومغاربة، ويلزم أن يكون هناك توافق عل تنظير معين يكون وسيلة للحفاظ عليها على المستوى التربوي والتعليمي والأكاديمي يشمل الأبعاد الثلاثة: نظرية النوبة، ونظرية الطبائع والطبوع، والقواعد النظرية للأداء. 

وكون الموسيقى الأندلسية "الآلة" موسيقى علاجية فهناك ضرورة أيضا لتأطير هذا البعد نظرياً؛ وذلك بالاهتمام بنظرية الطبائع والطبوع وشرحها وتطويرها طبقاً لتطور علم الموسيقى العلاجية عبر العالم وتعرف مدارسه، واستثمار كل ذلك في إطار هذه النظرية والمجهودات العلمية على مستوى المعالجة بالألوان الذي أحرز تقدماً كبيراً.  والحفاظ على هذا التراث الموسيقي يشمل طريقة الأداء سواء ما يتعلق بتنظيم الجوق، أو آلاته الوترية، وبطريقة الغناء والعزف اللتين يتعين أن تطغى عليهما الجماعية والترنم والاطراب، والبعد عن الزخارف والعبارات الموسيقية والغنائية البعيدة عن نسيج الألحان الأندلسية، وكذلك البعد عن السرعة والعزف المتشنج.

كما يتعين حمايتها على مستوى التشريع وذكرها بتسميتها كموسيقى عالمة وليس نوعا من أنواع الفولكلور كما جاء في القانون 002 ومن بعد قانون 25.19 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.

كذلك يتعين العناية بحفظتها وممارسيها من عازفين ومنشدين لأنهم ضمان استمرار هذا التراث الموسيقي والغنائي وذلك بتمتيعهم بحقهم كبقية فناني الأداء فيما ينشر من أعمالهم.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

واقع العلاج بالموسيقى في العالم العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM