arenfrfaestr

السنباطي: المجدد الأصيل وأمير النغم

صهيب الأغبري

لوى النغم، طوّعه وطرقه، كاد يشق به السماء، فأحدث أثرًا كبيرًا في الموسيقى العربية، هو أثر النغم السنباطي الفريد. بدأ السنباطي حياته فتى يشع لحنًا، ومن موالد والده الشيخ محمد السنباطي ولدت رغبة الطرب والإطراب عند رياض الفتى، فاسترق من هذه المحافل الرغبة في الغناء والعزف على العود.

بدأ مؤدياً فتى يطرب نفسه بأغاني الرواد، من أغاني عبد الحي حلمي ومحمد عثمان والشيخ أبو العلا محمد وغيرهم، فأباح لنفسه تأدية أغانيهم الثقيلة وهو ما زال في التاسعة من عمره، يعزف ويغني بأغان كبار. اجتاز مراحل طوالاً بسرعة فائقة.  كان السنباطي فلتة حقيقية في زمانه، فقد كان أستاذاً مدرساً لآلة العود والعزف عليها في المعهد العالي للموسيقى العربية - معهد فؤاد الأول آنذاك - وهو لم يكمل الثانية والعشرين من عمره.

بسرعة ارتفاع النغم السنباطي، لحنت الأنغام سريعاً بموسيقى رياض السنباطي، وتعاون مع كبار مطربي ذلك الزمن، كان منهم سلطانة الطرب منيرة المهدية ومطربة القطرين فتحية أحمد، ونغم السنباطي في هذه المرحلة كان ودودًا بما قبله من الألحان، بينما كان ينضج، ليكون له انفجار لاحق، يجّب ما قبله ويفتح سيرة جديدة لمعنى الموسيقى العربية. خلال سنوات قليلة آتية، كان يتذكر السنباطي رياض أن مطربة تنعّم يوماً بصوتها وتسّعد؟ لمن يجر لحنه بصوتها الشادي، كانت تشبهه جدًا، مطربة الموالد في السنبلاوين، (الذي) سمعها في إحدى رحلاته مع والده في الدقهلية.  كان يذكر تفاصيل صوتها القوي، الأخّاذ إلى عوالم الكمال، كانت هي أميرة الغناء كما تأمر هو على النغم، كانت شادية خالدة التصقا معًا بعدها إلى نهاية العمر، كانت هي سيدة الغناء العربي أم كلثوم.

كان لقاء السنباطي ملحنًا بصوت أم كلثوم في سنة ١٩٣٥ بأغنية "على بلد المحبوب وديني" من كلمات شاعر الشباب أحمد رامي، التي أداها في البداية عبده السروجي في فيلم وداد بعدما رفضت أم كلثوم أن تغنيها، بعد أن دخلت بألحان ناجحة عالم المدينة والتحضّر، خافت أن تؤذي هذا النجاح بلحن ريفي، ولكنها تراجعت بعد أن رأت النجاح الكبير الذي حققته هذه الأغنية، فسجلتها على أسطوانات أوديون في عام ١٩٣٥. لم يكن هذا النجاح إلّا شرارة لأنجح ثنائي، فبعد أن استوطن في قلب سيدة الغناء ثقة بلحن أمير النغم، أخذت تسأله ألحانًا تلبسها صوتها العذب، ألحانًا بمقاسها تمامًا، عرف كيف يحيكها السنباطي جيدًا لمعرفته التي توطدت عبر سنوات كثيرة، أنصت فيها لصوت ملهمته وشاديته.

قدّم السنباطي عددًا قليلًا من الأغاني بصوته، فكان مطربًا جيدًا، وقورًا هادئًا يؤدي لحنه كما يشاء، لكنه ابتعد عن الغناء إلّا برشاش عذب يسجلّه بين وقت طويل وآخر كما في البدايات مع "على عودي" والأواخر من الألحان كما قصيدة "أشواق"، واكتفى بسكب إبداعه بالتلحين ليصب كامل وعيه في اللحن، بخلاف ملحنين كبار أمثال موسيقار الأجيال محمد عبدالوهّاب الذي استقطع عددًا من ألحانه وأداها بطريقته وحريته، واندمج في الغناء والتلحين معًا.

امتاز السنباطي بالأصالة والتجديد، فأباح للتحديث أن يشغل الموسيقى العربية الأصيلة قليلًا حتى يعانق بها التطوير الأمثل، فتشكلت الموسيقى العربية بألحان السنباطي بشكلها الأحدث الذي ناسب الأذواق المحافظة الساكنة داخل قوقعة الأوائل، والأذواق المجددة الرافلة خارج حدود النغم العربي.

لا يعني هذا أن السنباطي قدّم موسيقى ما بين العربية وبين خارجها، ولكنه قدّم موسيقى عربية بشكل أحدث، يناسب تشعب العصر، أهّلها لمواجهة الحداثة الطافحة في كلّ المجالات في عصره.  فمن بين تحف خالدة كثيرة، لحنها السنباطي للسيّدة أم كلثوم، من منا لا يعرف تحفة "الأطلال"؟ كانت الأطلال قمة النغم السنباطي، فيها سكب نفسه، وصبت أم كلثوم كلثوميتها فيها بسخاء، كما رمى شاعرها إبراهيم ناجي هواه وحسرته بين كلماتها. في البداية قدّم السنباطي لحنها لأم كلثوم فكانت مشدودة كعادتها تتابع كل طلعة ونزول، وكل حركة وسكون، وما إن وصل إلى نهايتها عالية الصوت بارتفاع الشدو بـ"فإن الحظ شاء" حتى اعترضت أم كلثوم على هذا الختام العالي، وكانت تفضله ختامًا يذوب مع الوداع أكثر.

ظلّ السنباطي يقنعها أربع سنوات لتقديمها بالختام الذي ينبه النهاية ويصدر الأسى بصوت أسمع، حتى تلّقت أم كلثوم الاقناع بقلق، وعندما قدمتها لأوّل مرة في ٧ أبريل ١٩٦٦ في سينما قصر النيل في القاهرة كادت الجماهير أن تقلب المسرح طربًا وطلبًا للإعادة للختام الذي ارتفع فوق رؤوسهم وأسكرها بسلافة صوت الشادية الخالدة، حتى اطمأنت أم كلثوم وفازت نهاية السنباطي.

ظلّت الأطلال تحفة السنباطي الخالدة، وقدمتها أم كلثوم في مسرح الأوليمبيا في باريس في حفلتين متتابعتين، ذوّبت بها هذا المسرح الذي شهد أنواع الفنون، لكنه لم ير بعد مثل أطلاله التي حولته إلى جنة للفنون، وبعد هاتين الحفلتين انتقلت الأطلال إلى مسامع العالم، حتى كان لها لقب الكثير من المصنفين بأنها تاج الأغنية العربية في القرن العشرين.  لم يلبس السنباطي الموسيقى العربية هذا التاج فقط، بل رصعها بالكثير من الثمائن، كان لصوت أم كلثوم النصيب الأكبر، ولمطربين يختارهم السنباطي بعناية نصيب أيضا.

قدّم السنباطي منفتحًا على عصر مطربين جدد ألحاناً بأصواتهم، كميادة الحنّاوي وطلال مداح وعزيزة جلال، فتغيّر الأسلوب تبعًا للمطرب، ولكنه ظل محتفظاً بالقامة السنباطية.

كان السنباطي لحناً شجياً يبعث في الموسيقى العربية الخلود، ينتقل بين المقامات بما يتناسب مع الكلمات، وبانطباعه صنع المتغيرات بهذا التناسب، مثلما فعل بأغنية "القلب يعشق كل جميل"، كلمات بيرم التونسي الذي كتبها بالعامية، وهي أغنية روحانية دينية كانت في المعتاد ستلحن بنوعها بمقام رزين، لكن السنباطي آثر أن تلحن لشكلها البسيط، فألبسها لحناً فرحاً، ينقل من خلاله الكلمات بأكمل معنى.

هكذا نوّع السنباطي ألحانه، درس اللحن كمجمل منظور عام للأغنية، من صوت وكلمة، ينقل اللحن بهما المعنى بأتم شكل. منفتحاً وأصيلاً.  فتن السنباطي العالم بالألحان، حتى لُقِّب بأمير النغم، لبراعة تحكمه به، لوقاره وحكمته الفنية، وعبقرتيه.  قفز السنباطي بالموسيقى العربية إلى أعلى نقطة، حتى رحل خالدًا بنغمه.

Rate this item
(3 votes)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

واقع العلاج بالموسيقى في العالم العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM