arenfrfaestr

هل سيحترف طفلك الموسيقى؟(2) - بتصرف (*)

عبد العزيز ابن عبد الجليل

 

سأحاول، - في ظل وجود حالة معينة - الإشارة إلى العناصر التي أجتهد في اعتمادها لدعم فكرة ما، على ألا يغيب عني - قبل ذلك – أننا قد نفتقد الموهبة لإدراك شيء نهواه، مثلما أننا قد لا نحب شيئا أوتينا الموهبة فيه، وأن الهاوي لا ينفك في حاجة إلى الحب أكثر من الحاجة إلى الموهبة.

وإذا كان تطور الهاوي لا يستلزم أن تكون أي من مؤهلاته الموسيقية فوق العادة، فإنه يتعين ألا تقف أي من هذه المؤهلات حائلا دون تطور الأخرى. وفي هذه الحالة سيكون حكمنا مغايرا بالتمام فيما لو تعلق الأمر بإعطاء رأي مماثل لمحترف المستقبل، هو في حاجة، ليس فقط إلى أن يكون في منجى من النقائص في جوانب محورية ما، ولكن أيضا إلى امتلاك صفات على مستوى رفيع (حضور البديهة، وحدة الذهن، ويسر القراءة الطبيعية، وإيقاعية الإحساس، ...)

هل هناك ما يدعو إلى العجب عندما نرى طفلا في الثانية من عمره يخدش الكَيثار أو ينقر لوحة البيانو؟ أما أن يكون الإعجاب به من قبيل الحنو الأسروي فهذا جميل، وأما أن يكون من أجل استخلاص استنتاجات قطعية عن إمكانيات موسيقية لا تعدو كونها عابرة، فهذا ما ينافي المنطق.

إن أجاد الطفل الغناء فهذا جميل، وهو ما ينبغي أن نعتد به، وإن لم يوفق فما ينبغي أن نيأس من مستقبله الموسيقي: فلعل ذلك أن يكون لعلة افتقاره إلى تلك العلاقة المتواترة – إلى حد ما – بين سمعه الداخلي وطاقة تعبيره الصوتي، هذه العلة التي من الممكن تلافيها. تذكروا مقولة "كلوكلو" Cloclo في كوميديا «Jean de la lune»: أنا أغني نشازا، غير أني أسمع جيدا. ([1]).

علينا ألا نستبعد بشكل منهجي الطفل الذي لا يجيد السمع، ولكن، بالمقابل ننصحه بالابتعاد عن الآلات الموسيقية التي تتسم بالحدة من قبيل أسرة الكمان. وفي وسعنا أن نلاحظ بشكل خاص أهمية "رهافة السمع"، هذه الخاصية الثمينة بالنسبة لبعض فئات محترفي الموسيقى (قادة الأوركسترات)، والتي لا تخفى جدواها في المباريات الموسيقية.  غير أنها عندي ليست بنفس الدرجة من الجدوى بالنسبة للمستمع الهاوي لأنها لن تفيده في اكتساب مزيد من الفرحة التي يمكن أن يستمدها من الموسيقى. ومع كل ذلك فستظل هذه الرهافة محط الكثير من اهتمامي بالنظر إلى أنها نادرا ما تكون معزولة، وأنها قد تدل في العادة على وجود "استعداد موسيقي جيد" في جوانب أخرى أكثر أهمية. وهكذا، فنحن أمام عشرات المؤشرات القادرة في حالة ضمها إلى بعضها على وضع تشخيص مؤكد إلى حد ما، (وإن تكن موضع تحفظات قبل اختبارها).

هناك خصوصيات أخرى موسيقية أو غير موسيقية تشكل في وضع هذا التشخيص أهمية قلما ننتبه إليها، وبدونها تظل كل المحاولات عرضة للإخفاق عاجلا أو آجلا:

أولى هذه الخصوصيات من خارج الموسيقى؛ إنها المثابرة. فكم من انطلاقة واعدة انتهت - للأسف – بالتخلي عنها!  إن تعليم الموسيقى للهاوي يستلزم توفره على طاقة أكبر من نظيرتها عند المعلم.  ذلك أن الموسيقي المحترف الذي يصار إلى اختياره في العادة بسبب ما يمتلكه من ميزات أساسية يجد نفسه، منذ بدايات تعلمه، وباستمرار، متابعاً بفروض المباريات التي عليه أن يعد لها عدتها والشواهد التي عليه أن يسعى للفوز بنيلها؛ مثله في ذلك كمثل تلميذ المدرسة الذي تلاحقه تحفيزات معلميه في فروض دروس الرياضيات أو اللاتينية، والذي يدرك جيدا أن عليه أن يبذل من الجهد ما يسير بعمله إلى الأمام. وسوف يدفعه الاحتراف لاحقا بفضل كده إلى الفوز بالأفضلية مهما تكن الاستثناءات.

لا يمتلك الهاوي هذه المحفزات إذا لم يسع إلى تملكها بنفسه، وهو ليس أمام تلك الالتزامات الملحة التي لا يُغفر إهمالها، فإن توانى لم يستلزم ارتخاؤة عقابا مباشرا. لقد أصررت على الحاجة المستمرة إلى حث الطفل على الكد بانتظام ودون كلل، ويبدو لي أن فكرة "الموسيقى بدون دموع" باتت منتشرة إلى درجة أصبحت فيها قاتلة للعديد من الأطفال الموهوبين ممن يتعين عليهم - بالرغم من كل شيء – اجتياز سبل غير معبدة. على أنه من الواضح أننا نستنزف طاقتنا فيما إذا كان الطفل المتعلم لا يحقق أي تقدم بالرغم مما يلقاه من دعم. ([2]) ونحن في هذه الحالة وكأنما ندفع طفلا هش البنية، متنطعا، او غرا؛ فلا سبيل إلى الهواية دون دأب ومثابرة. 

هناك خاصية أخرى موسيقية في هذه المرة، تبدو لي أكثر أهمية بالنسبة للهواة منها بالنسبة لفئات معينة من المهنيين (الذين قد يفتقرون إليها تمامًا في حالات معينة)؛ إنها الذوق الموسيقي.  وأنا أعني شكلين من أشكال الذوق.

الشكل الأول بديهي ابتدائي، هو المتعة التي يمكن أن يحس بها الهواة المستقبليون عند ملامسة الصوت.  إنه الأساس الجوهري لكل فرحة موسيقية لاحقة، تلك التي سيستند عليها هذه الاختلاف الكبير في الرضا بين الهاوي الفاعل والهاوي المستمع.  وفي حال افتقادنا - منذ البداية – لهذه المتعة الجسدية البحتة التي يمنحها الصوت، فمن غير المجدي على الإطلاق بذل جهود كبيرة وطويلة الأمد لتعلم العزف على آلة لن يمنحها الاستعمال الشخصي من المتعة أكثر مما يمنحه الاستماع لشخص آخر وهو يعزف بسهولة على نفس الآلة الموسيقية.  قد لا يكشف هذا التذوق المادي للأصوات العصامية عن نفسه قبل انطلاق الحصص الأولى لتعلم العزف على الآلات، على أنه سرعان ما يبرز (بل يجب يروزه) بمجرد تمكن الطفل من القدرة على أن يعزف على آلته ولو فقرات موسيقية صغيرة.

يأتي بعد هذا، الشكل الثاني للذوق الموسيقي وهو أكثر دقة، (وكسابقه فهو بديهي وإن يكن قابلا للتهذيب).  تصوروا طفلا صغيرا يمضي ساعات طوالا في الاستماع للراديو أو لجاره وهو يعزف على آلة موسيقية: إنها علامة جيدة على تشكل الذوق الأساسي لدى هذا الطفل، لكن ما الذي يستمع له؟ 

إنه يبدو هنا أشبه بحاطبي ليل، يستوي عندهم الاستماع للموسيقى الإشهارية كما هو الأمر بالنسبة لـ"رقصة الباسترينغ" ([3])، أو لسمفونيات بيتهوفن، بينما غيرهم في المقابل يميزون بين الجيد والقبيح ويسعدون بسماع بعض الأعمال ولا يسعدون بالاستماع لأخرى.  وهذا وضع غير مستقر، يتعارض أحيانا مع ما يعتبره المتعلم الراشد جيدا، لا سيما وأنه غالبا ما يكون - من وجهة نظري - مصحوبًا بحساسية داخلية كبيرة يمكن التركيز عليها في هذه النقطة بالتحديد؛ فإن اختناقه سيؤدي إلى قمع من شأنه أن يعرقل التنمية المنسجمة، وبعبارة أخرى فإن تربيته ستفضي إلى تطور يتجاوز – بما يكفي – مجرد التكوين الموسيقي.  وليس مهما أن يكون لدى هؤلاء الأطفال - مع ذلك - أي نصيب من الذاكرة، أو أي تخلف فكري. وانطلاقا من هذه النقطة فسوف يتمكنون من الحصول على هذه الفرحة العارمة المؤسسة على تدرج تصاعدي للقيم، الأمر الذي سيجعل الموسيقى بالنسبة إليهم - كائنا ذكيا للحب: إنه الفن.

تلكم كانت بعض المؤشرات التي اجتهدنا في جمعها ونحن نسأل ما إذا كان الطفل «المرشح" لتعلم الموسيقى قادرا على أن يصبح "مقبولا". وعلينا أن نتمسك بالحيطة التي أظهرت التجربة ضرورتها لاتخاذ قرار مثل هذا.


 

(*) Michel Briguet. MUSICA n° 88 Juillet 1961 imp CHAIX ( seine) p 26 –27.

[1] ) الكوميديا من تأليف الشاعر الفرنسي مارسيل آشارد Michel Achard، عام 1929، وتعتبر من روائع المسرح المعاصر.

[2]) من هنا تبدو جدوى تأجيل بداية سن التعلم أحيانا حتى يصبح الطفل أكثر قدرة على التجاوب مع هذا الدعم.

[3]) رقصة شعبية فرنسية قديمة لم تكن تحظى بتقدير الناس.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 02 كانون2/يناير 2023 12:31
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

واقع العلاج بالموسيقى في العالم العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM