arenfrfaestr

متعة الاسماع في علم السماع لأحمد بن يوسف التيفاشي القفصي تحقيق رشيد السلامي

بقلم د. عبد الستار العريفي سالم بشيه (قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة طرابلس)

لطالما سمعنا بكتاب (متعة الأسماع في علم السماع)، ولم تكتحل العيون بمرآه حتى ظهر إلى حيز الوجود من الجهد المتواصل والبحث المتلازم على يد البحاثة الجهبذ الذي نهض إلى تحقيقه وإخراجه إلى القراء، ألا وهو الأستاذ الموسيقي الكبير رشيد السلامي، الذي أنفق فيه سنوات بحثية طويلة، محاولا إخراجه وإظهاره في صورة لائقة، أو كما يريدها المؤلف كما ورد في تعريف مفهوم التحقيق.

088a.jpg

وبداية مع عتبات نص الكتاب فقد عبر عن الموسيقى بصورة مقتبسة عن رسومات من خيال الرسام لرباعيات عمر الخيام، المنشورة المشهورة في تراجم عدة من دور النشر، والرسم عبر عن لهو عمر الخيام وشرابه وسمره في ليلة مقمرة مع جارية تعزف على آلة العود، وفي يده كتاب، وفي الأخرى كأس، وأمامه دواة، وكوز الشراب، على عدوة نهر، تحت شجرة، وهو اختيار موفق لمحتوى الكتاب من علم وقصص، وقد وضع أعلى حافة الكتاب بعض الأحرف الموسيقية بطريقة دائرية، ومن تحتها العنوان متعة الاسماع في علم السماع، لأحمد بن يوسف التيفاشي القفصي (580-651هـ/ 1184-1253م)، وسجل تحت الصورة: تحقيق رشيد السلامي، ثم وضع شعار دار النشر (المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة)، أما الغلاف فكان ورقياً سميكاً بعض الشيء، مسلفن، وكذلك ذكر العنوان، والمؤلف، والمحقق، على كعب الكتاب، ورسم في منتصفه تقريبا (مفتاح صول).

أما ما ورد في صفحات التقديم فكانت على النحو الآتي:

صفحة العنوان الداخلية وبها المعلومات الببلوغرافية (2)، ثم الإهداء، ثم قائمة المختصرات بالصفحات (7/8/9)، وتقديم بقلم عبد المجيد الشرفي (11-12)، تلتها مقدمة المحقق (13)، مؤلفه (15)، مؤلفاته (19-25)، ثم نسخ المخطوطات (26)، فمصادر الكتاب (42) ، قيمة الكتاب 44، النص المحقق (52- 304)، ثم لواحق الكتاب فجاءت المصادر والمراجع (304-323)، فالفهارس (324)، ثم معجم الأعلام (327-356)، وتلاه فهرس البلدان والاماكن (357-359) 360، وفهرس الأبيات الشعرية (361- 369)، فقائمة المصطلحات والكلمات المفاتيح (371-378)، ففهرس المحتويات (379-381)، وختم بصفحة خاصة لدار النشر(المغاربية لطباعة وإشهار الكتاب)، أما صفحة الغلاف الخلفية فجيء فيها بنبذة عن الكتاب وسيرة المحقق، وكتب في أسفل الغلاف: الثمن بتونس 25 د.ت الثمن بالخارج 25$، كما ذيل بالرقم الدولي: ر. د. م. ك: 9789973491909.

إن كتاب متعة الأسماع في علم السماع، للتيفاشي، جاء عنوانه مثيرا للمتلقي، في موسيقى السجع بين الأسماع والسماع، وعن طريق الجناس الناقص فقد تكررت الحروف (س. م. ا.ع) في الكلمتين، كما أجرى حرف العين موسيقى رائعة بوجوده أربع مرات في العنوان، وهذا الأمر مرده اهتمام بعض المؤلفين اهتماما بالغا باختيار عناوين مؤلفاتهم ومصنفاتهم بعناية ودقة، كما أكدَّ أساتذة منهجية البحث المحدثين على أهمية اختيار الكاتب في أي مرحلة دراسية كانت لاختيار عنوان بحثه، مستنبطين تلك الأهمية من تسمية القدامى لمصنفاتهم، ولذا عدوا اختيار عنوان البحث من أكبر المهمات المنصبة على عاتق الباحث والمؤلف، واشترطوا فيه أن يكون دالا دلالة عامة مجملة، على موضوع البحث، كافية، وشافية لما هو موجود في المؤلَّف، ويحبذ بعضهم أن يكون مختصرا، وأن يكون مثيرا للقارئ حيناً، أو مستفزا له أحياناً، وقد سار المصنفون القدامى على هذا النهج، فمنهم من حاول وضعه في كلمة واحدة، ومنهم من وضعه في سجعة بسيطة أو مركبة؛ مجانسا، أو مطابقا، أو مضمنا، أو مقتبسا فيها، باستخدام غير ذلك من ألوان البديع؛ يتقصَّدها المؤلف، أو تأتي عفو خاطره.

وقد يكون للأستاذ السلامي أسباب عدة، وأهداف متوقعة بمنح هذا المصنف عناية التحقيق، من خلال الأهمية التي نالها المصنَّف المحقق من ذكر وشهرة، أو يكون منها ما هو متوقع كالآتي:

1- أن المحقق يهدف إلى إخراج نص اعتنى بالغناء لفترة غفل عنها المؤلفين، وضاع بعض تاريخها، فهو بذلك يؤدي حقًّا مفترضًا عليه، وهو إظهار ما لمواطنيه من أعمال فنية وعلمية، تفردوا بها دون غيرهم من المصنفين في البلاد العربية الأخرى.

2- أن المؤلَّف ذكر بعض الأعمال الغنائية في عصره، أو مواقف كان هو الراوي لها.

3- أن المؤلف ذكر بعض النصوص النادرة لا تجدها في غير مصنفه هذا، كالتي كان فيها شاهد عيان.

إن اتقان المحقق لإخراج عمله منقحا خاليا من العيوب قدر الاستطاعة، ربما كما أراده المؤلف في صورته الأصلية، فنراه قد مكث فيه ما يقرب من ثلاثين سنة من العمل، حتى رأى نضجه، واستواءه على سوقه، فأخرجه إلى النور؛ ليضعه بين أيدى القراء المهتمين بالمجال الفني الأدبي، والتاريخ الموسيقيِّ، الذين لم يغثهم ما حققه الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي، ونشره بمجلة الأبحاث اللبنانية، الجامعة الأمريكية، بيروت، مجلد 21، (2-3-4) ديسمبر 1968م، (الطرائق والألحان الموسيقية في أفريقية والأندلس)، قسم من كتاب (متعة الأسماع في علم السماع)، أحمد بن يوسف التيفاشي، (ص93 –116)[1].

إن ما قدم به السلامي الكتاب يدل على عمق البحث، فنقَّب في المؤلفات تفتيشا عن الشخصية، وأعمالها العلمية، كما ذكر أصول النسخ المخطوطة للكتاب، مستعرضا مظان وجودها في المكتبات العامة والخاصة، مبينا المصادر التي اعتمدها التيفاشي في تأليف كتابه (ص 44)، وموضحا القيمة العلمية للكتاب لما حواه من مادة علمية، ونصوص وآراء موسيقية فنية (ص45).

لقد عمل المحقق في النص المحقق عملا علميا طيبا بل متميزا؛ فعَرَّفَ بالأعلام الواردة في المتن، وبين معاني بعض الألفاظ الغامضة، في الحواشي، ولم يكتف المحقق بضبط الشعر والمُشْكِل من اللفظ، بل عمد إلى ضبط النص كاملا بالشكل، ويكشف المحقق عن بعض المصطلحات المستعملة في القديم، فيعرف بها، ويربطها أحيانا بما هو مستعمل في العصر الحديث؛ بل كان يذكر أكثر من رأي في القضية الواحدة، أو يضيف رأيا آخر على رأي الذي قال به التيفاشي في متنه، كما أنه أرجع الأشعار إلى دواوينها، أو الكتب الأدبية المعتمدة في نقل النصوص الأدبية عنها، ذاكرا أحيانا الفروق في رواية بعض الأبيات، كما يرجعها أحيانا إلى أكثر من مصدر، كذلك يرجع بعض النصوص إلى مظانها الأصلية، والمصادر التي نقل عنها التيفاشي، قد قاربت مصادره في تحقيقه المائتين ما بين مصدر ومرجع، منها الموسيقية، والأدبية، واللغوية، وغيرها، كما كان يعلق على بعض المتشابهات في الآراء بين علماء الموسيقى، كما كان (المحقق) يرجع القارئ إلى بعض المصادر والمراجع للاستزادة حول موضوع ما،  أو لمعرفة حيثيات أخرى تفيد القارئ، لكي لا يثقل حواشي الكتاب. 

كان المحقق يذكر اقتباسات التيفاشي ونقولاته في بعض فصوله عن سابقيه، فيجعلها مقدمات؛ لينتقل منها إلى بيان قضايا أخرى.

ولعل من أهم الأعمال الموكلة إلى محققي النصوص إلحاق مجموعة من الفهارس بالتحقيق على حسب أهمية الموضوع (ص324)، فعقد لتحقيقه فهرسا سماه معجم الأعلام فذكر فيه الأعلام المذكورين بالنص المحقق معرفا بهم في سطور خفيفة، وبإرجاعها إلى مصادرها (ص327-356)، وجعل للبلدان والأماكن فهرساً مع بيان الصفحات التي وردت فيها (ص357-359)، أما الأبيات الشعرية فجعل لها فهرسا مرتبا حسب القوافي، مبينا بحورها، والصفحات الواردة فيها، والعدد، وقائليها (ص361- 369)، ثم بين مفهوم بعض المصطلحات والكلمات المفاتيح التي لها أهمية في النص(ص371-378)، ثم ختمها بفهرس المحتويات بعناوين الفصول الواردة في الكتاب (ص379-381).

088b.jpg

والمحقق، بارك الله أيامه، هو الأستاذ الكبير الموسيقيِّ البحاثة رشيد السلامي من مواليد مدينة صفاقص بالجمهورية التونسية سنة 1943م.  تحصل على دبلوم الموسيقى العربية سنة 1967م، والدبلوم العالي في الكتابة الموسيقية، قسم جون لو مار باريس 1973م، وشهادة الكفاءة في البحث (لغة وآداب عربية) تونس 1986م.

عمل في المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد العليا، وتولى إدارة المركز الوطني للموسيقى والفنون الشعبية، قدم بحوثا مهمة في مجال تخصصه على أكثر من صعيد منها المحلي والعربي، ومنها المنشور ومنها لا يزال ينتظر دوره للنشر ورؤية النور، وشارك في ندوات عدة بالبحوث والحضور.

وأخيرا نرجو للمحقق التوفيق والسداد في أعماله المقبلة شاكرين له صنيعة في إخراج هذا الكتاب في صورته المتميزة، ومن هذا المنبر يحث الباحث المتخصصين في مجال الموسيقى العربية على إظهار مثل هذه الكنوز الفنية المخفية للقراء، وعلى الناشرين الاهتمام بنشرها وتوزيعها لما فيها من فائدة كبيرة جمة للباحثين في مجال تاريخ الموسيقى العربية.


[1] لا يمكن إنكار ما لمقالة الأستاذ ابن تاويت الطنجي من الأهمية، فلقد شكلت المرجع الأساس لقسم هام من كتاب التيفاشي في وقت لم يكن للباحثين سبيل إلى الاطلاع عليه.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 02 كانون2/يناير 2023 13:00
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

واقع العلاج بالموسيقى في العالم العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM