arenfrfaestr

النظرة الاجتماعية للموسيقى: لبنان أنموذجاً

بقلم د. ثناء الحلوة[1]

بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، أراد فادي ان يكمل دراسته الجامعية في الموسيقى. اعتبر والداه ان قراره قرار متسرع، وان الموسيقى تبقى هواية فقط لا غير، وأصر والده على ان الموسيقى لا تطعم خبزا، فيما تساءلت والدته: ماذا أقول للناس، ابني يريد أن يشتغل موسيقياً؟ كبر عقلك، وابحث عن تخصص يرفع الرأس!

هذا الكلام يقودنا الى ملاحظة مستويين من العلاقة بالموسيقى: المستوى المادي (الموسيقى لا تطعم خبزا) والمستوى الاجتماعي الثقافي الذي يتضمن نظرة المجتمع الى ممتهن الموسيقى.

مبدئياً، يسعى معظم الأهالي في مرحلة الطفولة إلى تعليم أولادهم الموسيقى (في المدرسة او خارجها) كنوع من أنواع النشاطات الإضافية؛ وهو قرار يسير به الاهل قبل ان يصل الابن إلى مرحلة الاختيار الفردي؛ أما حين يختاره الابن كنوع من الاختصاص المستقبلي: تبدأ مرحلة الصراع بين الأجيال[2].

***

الثقافة الاجتماعية والموسيقى

يعد موضوع العلاقة بين التربية والموسيقى من أهم الموضوعات المطروحة في مجال الاهتمام بالأطفال خاصة في مراحل النمو الاولى، وذلك لما لها من تأثيرات ايجابية على شخصية الطفل.  وتشير احدى الدراسات المتخصصة للمجلس العربي للطفولة في مصر والتي أعدتها الباحثة «آيات ريا»: "أن للموسيقى قدرة غنية ومكانة تربوية خاصة في تشكيل شخصية الطفل ... وأن شخصية الطفل تتركب من عدد من المكونات الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، تتفاعل مع بعضها البعض وتتبادل التأثيرات، مبيّنة ان فن الموسيقى يتميز بقدرته المدهشة على تنمية المكونات المختلفة لشخصية الطفل"[3].  بمعنى ان الموسيقى تسهم في النمو الإنساني للطفل بطريقة إيجابية ولمدى الحياة.

في لقاء مع د. كفاح فاخوري، أمين المجمع العربيّ للموسيقى التابع لجامعة الدول العربيّة، ألح على  ضرورة وعي الأهل لدور الموسيقى في حياة الطفل، فهي ليست واجباً ولا تسليةً يسمعها أطفالنا من خلال محطات التلفاز، ولا دورة لتعليم السياقة يمكن إكمالها في شهر أو شهرين، بل هي أمر مستمر في حياتنا يتطلب دراسة وجهداً ووقتاً مستمرين، وإلا يبقى موضوع الموسيقى وتأثيرها في حياتنا سطحياً بالرغم من أن وجودها لا محالة منه[4].

 وفيما يؤكد فاخوري أن المجمع العربي للموسيقى ماض في طريق كتابة تاريخ الموسيقى العربية[5]، يبدو وكأن فكرة امتهان الموسيقى أو دراستها لم تأخذ الحيز الطبيعي في الذهنية العربية، ولا تزال دراسة الموسيقى كاختصاص أولي آحادي خياراً لأقلية من الافراد، فيما البعض من عاشقي الموسيقى قرروا السير بموهبتهم الموسيقية في موازاة اختصاص آخر أساسي يتباهى بها الاهل اجتماعياً، ويمنع الصدام بينهما.

***

في السابق لم تكن الموسيقى في الثقافة العربية شكلاً فنياً فحسب، وإنما كانت أيضاً علماً وعلاجاً ووصفة طبية يأمر بها الأطباء، لعلاج أذهان المرضى وأجسامهم. واعتبر المسعودي (المتوفى عام 956)، أن دراسة الموسيقى أرقى ما في الثقافة اليونانية القديمة، لأنها تحلق بالروح عالياً. وقد اعتقد، شأن الكثير من المؤلفين الآخرين، وجود صلة بين جسم الإنسان والكون، وأن أمزجة البشر تتناغم مع ذبذبة الموسيقى.  وكتب الفارابي يقول إن الإيقاع يسهم في جمال الطبيعة.[6]

في كتابه "تذوق الموسيقى" للمؤلف محمود كامل، الصادر عن مكتبة الاسرة، ضمن سلسلة فنون، يشير المؤلف إلى أنه إذا كانت موسيقى الغرب تدور في مقامين أو سلمين هما "الكبير Major" و"الصغير Minor"، فإن للموسيقى العربية عشرات المقامات، ولكل مقام منها شخصيته المميزة، وتعبيره الذي يختلف عن الآخر. ويقول المؤلف كامل إن حنجرة الإنسان وفمه ويده وقدمه تعتبر أقدم آلات الطرب، وكان العرب في الجاهلية إذا حجوا البيت الحرام يطوفون حول الكعبة وهم يصفرون ويصفقون.  مع مجيء الإسلام، وتحديدا في عصر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، بدأ الغناء ينتشر خصوصًا بشعر حسان بن ثابت، وكان المغنون في العصر الأموي يغنون بدون آلات موسيقية تصاحب أصواتهم.  ويعتبر العصر العباسي (750- 1258) هو العصر الذهبي للموسيقى العربية، حيث ارتقت وزادت مقاماتها وكثرت الآلات وتنوعت وشاع استعمالها.[7]

من هنا نتساءل، لماذا لم تستطع الموسيقى ان تأخذ مكانها الطبيعي في ذهنية المجتمع العربي رغم تاريخها المتميز فيه، ورغم انها اللغة التي تخترق الحدود وتسهم في تقريب البشر من بعضهم البعض في جو من السلام والرقي كما تؤثر أيجابا في النمو النفسي والعاطفي والانساني للأطفال؟ وما دور الاهل في اختيار أبنائهم وبناتهم للموسيقى كمهنة أساسية أو مهنة رديفة؟ وما تأثير قرار الأهل على مستقبل أولادهم؟  وما هي نسبة المنتسبين الى المعاهد الموسيقية في لبنان سابقاً وحالياً في ظل الازمات المتلاحقة؟ وهل تغيرت النظرة الاجتماعية وتاليا نظرة المجتمع الى الموسيقى والموسيقيين اليوم؟

واقع الموسيقى في لبنان

تأسست نقابة الموسيقيين المحترفين في لبنان بتاريخ 14/6/1950 بموجب القرار رقم 7438 الصادر عن وزارة العمل، وحدّد شعارها بقيثارة سومر وفي وسطها أرزة.  وعدّل أسم النقابة بتاريخ 3/10/2016 فأصبح نقابة محترفي الموسيقى والغناء في لبنان[8]. إذن الموسيقى في لبنان ليست حديثة العهد، وتأسيس نقابة في العام 1950، ما هو الا دليل على وجود العديد من الموسيقيين العاملين من جهة، والحاجة الى تنظيم عملهم في لبنان من جهة أخرى.

هؤلاء الموسيقيين بعضهم تعلم الموسيقى في الخارج، والبعض تعلم لدى موسيقيين محترفين في الداخل، والبعض علم نفسه بنفسه انطلاقاً من شغف وعشق للموسيقى، أما الذين تعلموا الموسيقى بشكل أكاديمي في لبنان فقد كان مرجعهم الكونسرفاتوار إضافة الى دور المعلمين التي كانت تعد الافراد أكاديمياً قبل دخولهم مهنة التعليم، وكانت تتضمن دروساً موسيقية الزامية للمعلمين - المتدرجين (نظري + آلات)؛ بالإضافة الى دور معلمين خاصة بتعليم الموسيقى، يتخرج منها معلمون مختصون بتعليم الموسيقى والآلات الموسيقية. لاحقاً، غداة الاحداث اللبنانية العام 1975، توقفت دور المعلمين عن دورها في الاعداد الأكاديمي والموسيقي، وتوقف بعدها اعداد المعلمين بشكل دائم ومستمر في لبنان سواء أكاديميا أو موسيقياً بالشكل المذكور[9].

في سياق آخر، تنشط العديد من الجمعيات التي تهتم بالموسيقى، ومن ضمنها مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية (Foundation For Arab Music Archiving & Research – AMAR) وهي مؤسسة غير ربحية، وكما يشير اسمها تهتم المؤسسة بالبحث والتوثيق عن الموسيقى العربية، كما تختصّ بحفظ الموسيقى العربيّة القديمة ونشرها، وهي تمتلك سبعة آلاف اسطوانة جلّها من تسجيلات عصر النّهضة (من سنة ألف وتسعمائة وثلاث إلى ثلاثينات القرن العشرين) وحوالي ستّة آلاف ساعة من تسجيلات البِكَر[10] والأشرطة[11]... والمؤسسة حديثة العهد  2009، الا انها تنشط من أجل أهدافها رغم ان العديد من الافراد المنتمين الى الهيئة الإدارية والاستشارية في هذه المؤسسة لم يدرسوا الموسيقى وهي ليست مهنتهم الأساسية، الدافع فقط هو الشغف الموسيقي كما أخبرنا السيد أكرم الريس وهو من مؤسسي المؤسسة وعضو الهيئة الإدارية فيها.

099a.jpg

تعليم الموسيقى في لبنان

يعتبر المجتمع اللبناني من أكثر المجتمعات التي احتضنت الموسيقى وثمنتها، يكفي أن نشير الى ان المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفاتوار) تأسّس عام 1925، أي حتى قبل بداية التعليم الأكاديمي الرسمي بُعيد الاستقلال، ويعتبر من أقدم وأهم المؤسّسات التربوية في لبنان.

لعب الكونسرفاتوار منذ تأسيسه دوراً ريادياً في نشر الثقافة الفنية ضمن شرائح المجتمع اللبناني حيث قدم أمسيات موسيقية لاهم المؤلفين من خلال اوركسترا أسست في البداية من اساتذة الكونسرفاتوار حتى عام 2000، الذي شهد تأسيس الاوركسترا السيمفونية الوطنية (التي اصبحت من العام 2010 "الاوركسترا الفلهارمونية اللبنانية") والاوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية.

099b.jpg

للكونسرفاتوار حالياً خمسة عشر فرعاً تغطي جميع الاراضي اللبنانية وتتوزع على الشكل الآتي: أربعة فروع في بيروت، وفرع واحد في كل من: جونيه، ضهور الشوير، عين سعادة، زحلة، صيدا، عاليه، بعقلين، البترون، طرابلس، الشويفات، زغرتا؛ وكان الكونسرفاتوار قد افتتح في العام 2000 فرعاً له في سجن روميه؛ وفي هذا المجال، يؤكد الدكتور ايلي فرنسيس الصافي: "أن الموسيقى تتخطى الابعاد الفنية، وان العلاج بالموسيقى يتخطى تدريس الموسيقى والاستراتيجيات المرتبطة بها، وتسير باتجاه العلاج من قبل مختصين بالموسيقى يساعدون الافراد ويحفزونهم باتجاه أهداف اجتماعية وعاطفية وعلاجية: فالموسيقى تعتبر وسيلة قوية للعلاج، والقدرة على تذوقها والاستجابة لها صفة تولد مع الانسان، وهي مصانة في داخله رغم التعرض للجراح"[12].  كما تم استخدام الموسيقى كعلاج أيضاً في المعابد المصرية، فبعد قيام علماء النفس بدراسات دقيقة تبين لهم أن للموسيقى اتصالاً مباشراً بالناحية الوجدانية لدى الإنسان، وان أعصابه تتأثر بشكلٍ واضحٍ عند الاستماع لألحانها المشوقة، لذلك تم إنشاء مستشفيات خاصة ومراكز للعلاج بالموسيقى، يعالج فيها المصابون بالأمراض العصبية والعقلية[13].

يعمل الكونسرفاتوار أيضاً كي يكون مركزاً وطنياً للمحفوظات والابحاث الموسيقية، كما يحوي مجموعات عزفية عديدة تتشكل من الطلاب، بالإضافة الى اوركسترا في كل من القسمين الشرقي والغربي.

ويقدم الكونسرفاتوار سنوياً حوالي /70/ عرضا فنياً، تحييها الاوركسترا الفلهارمونية اللبنانية والاوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية ومجموعة موسيقى الجاز[14] ومجموعات مختلفة من موسيقى الحجرة[15].

أما فيما يخص عدد المنتسبين، ورغم ان عملية التسجيل لم تنته بعد، فان المنتسبين حتى كتابة هذه السطور للعام الدراسي 2022-2023 بلغت ما يُقارب 4000 طالباً، والتسجيل مستمر في مختلف الاختصاصات والمراكز؛ في حين ان الأعداد كانت تصل سنويا الى ما يقارب 5500 طالباً، ما قبل كورونا والازمة الاقتصادية اللبنانية.

وترتفع الأعداد في مراكز بيروت الكبرى (سن الفيل، زقاق البلاط، مونو، بئر حسن) وتنخفض نسبيا في المراكز البعيدة عن بيروت، نسبة لمجموعة من العوامل أبرزها: الكثافة السكانية (أقل من بيروت)، عدد واتساع الغرف في المراكز التي تحتضن الكونسرفاتوار في مختلف المناطق، وعدم توفر الاختصاصات في مختلف المراكز.

يضم الكونسرفاتوار ما يقارب 1500 طالباً في السنة الأولى أو التحضيرية، وما يقارب 300 طالباً يتحضرون لشهادة البكالوريا هذا العام؛ ومعظم أساتذة الكونسرفاتوار وكبار السن من المختصين بالموسيقى فقط.  أما الطلاب المنتسبين الأصغر سناً، فغالبيتهم يتابعون دراستهم الجامعية بالتزامن مع الدراسة الموسيقية.

وعن الشرائح العمرية للمنتسبين: الأعمار تبدأ من 7 سنوات حتى 40 سنة، والأعداد متساوية اجمالا بين الذكور والاناث؛ أما بالنسبة للوضع الاجتماعي-الاقتصادي للمنتسبين فالمستويات مختلفة ومتعددة. وأكثر الآلات طلبا للدراسة هي: بيانو، غيتار، كمان، عود[16].

وبالحديث عن الكونسرفاتوار، لا بد من الرجوع إلى تاريخ هذا المعلم الموسيقى العريق، والذي تعاقب على رئاسته مجموعة من المبدعين اللبنانيين، وغداة الحرب اللبنانية تسلم الدكتور وليد غلمية العام 1991 مسؤولية رئاسة «المعهد الوطني العالي للموسيقى» (الكونسرفتوار)، وراح يركِّز على تطوير مناهج أكاديمية كاملة للموسيقى الشرقية العربية، من آلات الدفّ إلى الطبلة، فالقانون والعود والناي[17].

ويستعد الكونسرفاتوار العام المقبل 2023 للانتقال الى مبناه الجديد في الضبيه وهو ممول بهبة من دولة الصين، وتتولى رئاسته حاليا الدكتورة هبة القواص التي تحمل في جعبتها الكثير من الإنجازات الشخصية على صعيد الموسيقى وأكثر من شهادة دكتوراه، وهي تؤكد أنها “طالبة علم ومؤمنة بأن على العالم أن يتعرف العلوم كلها، ما دفعها الى التمرس أيضاً في أربعة تخصصات في الموسيقى وصولاً الى التخصص في علم النفس أيضاً[18]؛ كما انها عضوة في الكثير من المؤسسات أبرزها مجلس إدارة المعهد الوطني اللبناني للموسيقى، لجنة الأوركسترا السيمفونية الوطنية اللبنانية، والاوركسترا الشرق-عربية، لجنة الثقافة للاونيسكو، المنسقة الأكاديمية ومنسقة دروس الموسيقى في دور المعلمين والمعلمات، عضو لجنة المناهج التربوية، وعضو اللجنة الوطنية العليا للموسيقى وغيرها الكثير ... سجلت 21 عملا من تأليفها مع أوركسترا دنيبر وبتروفسك السيمفونية، وأربعة أعمال سيمفونية من تأليفها مع أوركسترا أكاديمية كراكوف السيمفونية، كما سجلت 13 عملاً سمفونياً من تأليفها مع الأوركسترا السمفونية الوطنية الأوكرانية؛ هذا بالإضافة إلى العديد من المؤلفات الأخرى، كما نالت الكثير من الجوائز.

بالنسبة للمدارس الرسمية والخاصة في لبنان، تندرج الموسيقى ضمن برنامج الحصص المدرسية (غالبا: ساعة أسبوعياً)، انما علامتها ليست ملزمة (لا تساهم في نجاح أو رسوب) لذا لا يكرهها التلميذ ولا يخشاها، وهي حصة (مكسر عصا كما يقول المثل اللبناني) يلجأ اليها أساتذة المواد الأساسية عندما يحتاجون ساعات لتكملة المنهاج، وبالتالي هذا دليل على كيفية التعامل مع مادة الموسيقى؛ وهذا لا يمنع وجود بعض الاستثناءات القليلة، حيث للموسيقى مساحة أكبر من المعتاد في بعض المدارس.

هذا الامر يرتبط أيضا بعدد الآلات الموسيقية المتوفرة في المدرسة، وعدد أساتذة الموسيقى قياساً الى عدد التلاميذ، والقاعات المناسبة للتعلم، والكثير من العوامل التي تتعلق بالقدرة الاقتصادية للأهل، خاصة في ظل الواقع الاجتماعي الاقتصادي المتدهور حاليا في لبنان. فالأهل لم يعد باستطاعتهم شراء آلات موسيقية لأولادهم كي يتمرنوا عليها في المنزل، كما ان الهم المعيشي يجعل من الموسيقى ترفا في مقابل الحاجات الأساسية والضرورية للأولاد.

كل هذا يحرم الكثير من المتعلمين فرصاً لا تعوض، فالموسيقى تساعد في تحفيز القدرات التعليمية والذهنية للأطفال منذ نعومة أظافرهم. ويؤدي الاستماع للموسيقى حتى دون عمد، الى تنشيط مراكز معينة في المخ من شأنها تحفيز التفكير المعقد، وفقا لتقرير نشره موقع "Inventology" الألماني.

في الوقت نفسه تساعد الموسيقى على تطوير القدرات الاجتماعية للطفل، فالتدريب مع أطفال آخرين على آلة معينة يساعد في تدريب الطفل على التعامل مع من هم في مثل سنه، بالإضافة إلى التدريب على الاستماع لآراء الآخرين والتفكير فيها، وكذلك التأقلم مع المجموعة والتعلم من الآخرين وقبول النقد.[19]

في لبنان أيضاً أربع جامعات تمنح الدرجات العلمية في تخصص الموسيقى، وهذه الجامعات هي: جامعة الروح القدس - الكسليك وفيها كلية الموسيقى والفنون الأدائية، والجامعة الأنطونية وفيها كلية الموسيقى وعلم الموسيقى، وجامعة سيدة اللويزة وفيها قسم للموسيقى، والجامعة اللبنانية وفيها ضمن كلية التربية تخصص التربية الموسيقية.  وإذا أضفنا المعهد العالي للموسيقى - الكونسرفاتوار، يكون لدينا في لبنان خمس مؤسسات تعليمية توفر تخصصات موسيقية، بالإضافة الى معاهد خاصة مثل الجمعية اللبنانية لنشر الموسيقى الاوركسترالية Lebam، ومعهد غسان يمين للفنون، والمعهد الموسيقي في مدرسة مار يوسف – قرنة شهوان وغيرها الكثير.

دور الاهل في اختيار الأولاد للموسيقى

يعتبر لبنان من المجتمعات التقليدية الحديثة، التي لا زالت تتمتع باللحمة العائلية والتلاحم الاجتماعي، ولا زالت العائلة تشكل المرجع الأول والأساس للأولاد من جهة، كما انها الخلية القاعدية والنواة المنتجة للمجتمع ولكيانه الروحي والمادي من جهة أخرى. وقد لاحظ علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس وكذلك علماء الاجتماع الرابط الروحي الذي يربط حركية العائلة بعاداتها وتقاليدها على مر الزمن والذي قد يشكل المخبأ الدائم يعود إليه الفرد عند كل أزمة أو كبوة ليجد فيه الأمن والاطمئنان حماية لذاته ولهويته الثقافية والاجتماعية المعرضة في كثير من الأحيان إلى هزات عنيفة[20].

وما قد يسجل من حين إلى آخر من عادات وتقاليد جديدة في الفضاء المحلي، فإن أغلبها لم يقتحم هذا الفضاء بصمت، فقد صاحب هذا الدخول وهذا الاقتحام صراعات نفسية واجتماعية وثقافية عنيفة كادت أن تدمر العائلة وتفتت عناصرها إلى درجة التطاحن والعداوة والانقسامات الفكرية والثقافية وحتى الإيديولوجية، وقد نتج عن هذا التداخل ظهور عادات وتقاليد لدى العائلة اللبنانية لا هي تقاليد عادات بالية، ولا هي تقاليد وعادات يعتمد عليها الناس في كل شاردة أو واردة؛ يتمسك الناس بقسم منها ويتخلون عن أقسام أخرى، ينسخون نسخا ويحورون بعضها الآخر؛ ولعل ما يميز العائلة اللبنانية أنها عائلة في مرحلة الانتقال من النمط التقليدي أي الخاضع لقواعد ولعلاقات ثقافية واجتماعية تقليدية إلى نمط عائلي جديد يريد لنفسه الحداثة والعصرنة فكراً وسلوكاً من الناحية الاجتماعية والثقافية الاقتصادية[21].

*****

ماذا عن قبول الموسيقى كاختصاص ومهنة ضمن العائلة اللبنانية؟ ضمن استمارة وجهت الى عينة عشوائية من 100 عائلة (مستوى تعليم جامعي) في لبنان، أجاب 60% من الاهل ان أولادهم تعلموا الموسيقى بشكل منتظم في الكونسرفاتوار ما لا يقل عن 3 الى 5 سنوات، قبل انتقالهم الى المرحلة الثانوية ثم الجامعية، والتزامهم بالدراسة الاكاديمية فقط، في حين ان 15% من العينة اجابوا بان أولادهم يتعلمون الموسيقى مع مدرس متخصص او بشكل افرادي على آلة ما؛ وفي المقابل هناك ما يقارب الـ 10% يتابعون حتى اليوم الدراسة الموسيقية في الكونسرفاتوار؛ وفي ردهم على سؤال حول اذا كانت الموسيقى هي الاختصاص الجامعي، كانت النتيجة ان 84% من الاهل أكدوا ان الموسيقى يمكن ان تكون اختصاص جامعي رديف في حال توافر الوقت، أو تستمر كهواية في أوقات الفراغ، فيما أكد 16% من الاهل ان القرار بالنسبة للاختصاص الجامعي لأولادهم غير واضح بعد سواء لدراسة الموسيقى أو غيرها من الاختصاصات. وتمنعت بقية العينة عن الإجابة عن السؤال، فيما أعلن بعض الأهل ان الموسيقى ليست مهنة، ولا يمكن ان تكون أكثر من هواية.

*****

في سياق آخر، يشير جورج حداد(مدير التعليم الابتدائي سابقا في وزارة التربية اللبنانية) إلى ان أولاده الاثنين وئام (عازف بيانو ورسام) وجواد (عازف أكورديون وترومبيت وهاربسيكورد) درسا الهندسة كاختصاص أساسي، وتخرجا كمهندسين ولا زالا يتعمقان في الاختصاص الجامعي في الهندسة، كما في دراسة الموسيقى في الكونسرفاتوار الوطني اللبناني، وهما يشاركان في حفلات موسيقية في الجامعة الأميركية حيث يتابعان دراستهما، وحيث هما مساهمان اساسيان في "نادي الموسيقى الكلاسيكية" التابع للجامعة، كما انهما درسا الموسيقى البيزنطية في اليونان، وهما عضوين أيضا في جوقة جبل لبنان الموسيقية وفي جوقة مار الياس- المطيلب؛ الشابان وئام وجواد يشاركان أيضاً في حفلات موسيقية خارج لبنان، وكانت لهما مساهمات في عدة دول في الخارج عربياً واوروبياً. وقد أسس الأخ الاكبر وئام بالشراكة مع أخيه جواد مؤخرا مدرسة لتعليم الموسيقى البيزنطية (الرومية) في بسكنتا في محافظة جبل لبنان، وهي مدرسة حديثة العهد وتضم الى الآن احد عشر عضواً؛  ويؤكد حداد ان أولاده الاثنين يسيران بخطٍ متوازٍ في الاختصاصين وإن كان يعتبر الهندسة هي الاختصاص الأساس، رغم كل الجهد والمثابرة والمتابعة لابنيه في مجال الموسيقى. وهو نفسه يعترف بأنه وزوجته ساهما بشكل مباشر في شغف اولادهما بالموسيقى، اذ انهما عاشقان للفنون بشكل عام وللموسيقى بشكل خاص، والتي كانت تصدح بشكل دائم في المنزل، كما انهما كانا يصطحبان أولادهما دائما الى حفلات موسيقية، خاصة الكلاسيكية منها ابتداء من عمر الثلاث سنوات.  

تأثير قرار الاهل على مستقبل أولادهم

تعتبر السيدة غيتا والدة الموسيقي جورج طنب (30 سنة) أن الموهبة هامة جداً في رحلة الموسيقى، انما المثابرة هي الأهم، أبنها جورج كان أول تلميذ يلتحق بصفوف المعهد العالي للموسيقى في لبنان (الكونسرفاتوار الوطني) في الرابعة من عمره، مع أن عمر الدخول الرسمي هو سبعة اعوام[22].

لم يعمل جورج طنب في مجال الهندسة المدنية رغم انه يحمل شهادة ماستر من جامعة البلمند، وهو لا يشير لها في سيرته الذاتية حتى؛ وقد أصر على متابعة حلمه في الموسيقى بعد تحقيق حلم أهله في الهندسة كما تؤكد والدته؛ السيدة طنب تؤكد ان أبنها يحمل موهبة غير كلاسيكية، فهو -وفي عمر الثلاث سنوات- عزف على البيانو مقطوعة "للصبية الملكة تاج وصولجان" التي غنتها عمته الفنانة رونزا في احتفال ملكة جمال لبنان بعد سماعها تبث مباشرة عبر التلفزيون، أي ان سماعه مرة واحدة للحن كانت كافية لاستفزاز وتحريض ابن الثلاث سنوات على إعادة عزفها في الحال. وهو يؤكد هذا الامر في حديثة الى موقع SwissInfo قائلاً "لم أكن اقرأ النوتات، بل كنت أحفظ المقطوعات على السمع". خلال السنة الثانية من دراسته الهندسة، حاول جورج التوقف عن الدراسة والالتفات الى الموسيقى، وهو ما لم يكن مقبولا من الاهل خاصة أمه التي أصرت على انهاء الدراسة الاكاديمية مع أنها كانت من أول المقتنعين بأنه يحمل موهبة مميزة، ورغم انها لم تستمع لمعظم الأساتذة الموسيقيين الذين تتلمذ على أيديهم في الصغر والذين كانوا يؤكدون لها انه لا يحمل أي موهبة موسيقية.

لاحقا، نال جورج جائزة التميّز لأفضل موسيقى أصلية عن فيلم "كفى" الوثائقي في مهرجان الأفلام التسجيلية الأميركي Without Borders، وهو وضع موسيقى عرض "باليه بينوكيو" الإيطالي الانتاج، ليعزز بذلك الموسيقي الشاب الذي تتلمذ على يد فنانين كبار في أوروبا وهوليوود، خطواته نحو الشهرة العالمية، كذلك فإن اللبناني- الأميركي ماريو قصار الذي أنتج فيلمي "”The Terminator" و"Basic Instinct"، طلب إليه وضع موسيقى لفيلمين تاريخيين قيد الانتاج بعدما سمع الموسيقى التي الفها لفيلم "كفى" لديزي جدعون "الذي يوثق حرب لبنان" [23].

*****

فور انتهائها من المرحلة الثانوية، ارادت ساندرا جوزيف[24] (29 عاماً) أن تكمل دراستها الموسيقية التي بدأتها باكرا في الكونسرفاتوار، انما اصطدمت برأي الاهل الذي كان معارضا للموضوع؛ تقول ساندرا انها كانت مشتتة في هذا المجال: جزء منها كان عاشقا للموسيقى، وجزء يتساءل: هل نظرة الناس إليّ كمهندسة ستكون أفضل من نظرتهم إليّ كموسيقية؟ التحقت بالجامعة لدراسة الهندسة وهجرت الموسيقى كليا لعدة سنوات؛ وتكمل: لست نادمة على اختياري، وان كنت اقارن في بعض الأحيان بيني وبين زميلة لي كنا نتشارك معاً حبنا للموسيقى؛ زميلتي اليوم لا زالت تعيش في عالم الموسيقى، وتبدو سعيدة ومتصالحة مع ذاتها، كما أبدو أنا للآخرين؛ في لحظات قليلة أتمنى ان نتبادل الأدوار؛ لست ادري من منا اختار الأفضل، ما نراه هو الصورة الخارجية للأفراد، أما المعاناة التي يعيشها كل منا في مجاله فلا احد يعرفها، أغلبنا يرى المظهر، والمظهر يخبئ آلاف الحكايات. ساندرا تعمل حالياً كمهندسة في العاصمة الفرنسية وتعتبر ان الهندسة فيها شغف وتحدي وفن بطريقة ما، لكن ذلك لم يمنعها من ان تلتحق مؤخرا بمدرسة للموسيقى في باريس (Lʼécole des sons)، تضم عازفين ومغنيين وشعراء، يجمعهم الشغف الواحد للموسيقى، وهم ينظمون حفلات صغيرة بين الفترة والأخرى، لا للمكسب المادي ولا للشهرة، انما لإشباع هذا الفن الذي يجري في العروق، ولعيش بعض اللحظات الجميلة؛ وهي تقول ان الموسيقى تنقلها الى عالم آخر، ورغم انها تعلمت آلة الفلوت Flute واليوكليلي Ukulele، الا انها تنشط حاليا في الغناء ضمن مدرستها الموسيقية.

*****

تخرجت مديرة مدرسة النموذج الرسمية للبنات الأستاذة زينة أحمد عزيزة من دار المعلمين الخاص بالموسيقى في الثمانينيات من القرن الماضي، وهي من آخر الافواج التي تخرجت من الدار قبل اقفال دور المعلمين المختص بالموسيقى. وقد عملت في تعليم الموسيقى قبل ان تنتقل الى الإدارة المدرسية. وتقول تخرجت انا واختي من دار المعلمين والمعلمات – فرع الفنون (موسيقى)، وأخي درس الرسم والنحت، أمي شجعتنا على هذا الخيار، خاصة انه يجمع ما بين التعلم الأكاديمي والتعلم الموسيقي، في حين ان والدي كان دائما يتمنى على أخي ان يلتحق باختصاص أكاديمي غير فني. وتشير الأستاذة زينة الى ان اولادها يمتلكون ميولا موسيقية، انما العائلة مصرة على الخيار الأكاديمي أولاً.

***

النظرة الاجتماعية للموسيقى اليوم

نستنتج من كل ما سبق ان الموسيقى ليست حديثة العهد في لبنان، بل انها سبقت التعليم الأكاديمي الرسمي بالعديد من السنوات. هي ثقافة لبنانية بامتياز، والإنتاج الموسيقي تمأسس في لبنان وخرج الى العالم عبر كثير من المبدعين اللبنانيين أمثال: الاخوين فليفل، وديع صبرا، الاخوين رحباني بل العائلة الرحبانية، توفيق وابنه عبد الرحمن الباشا، سليم سحاب، زكي ناصيف، جوزف فاخوري وابنه كفاح فاخوري، روميو لحود وكثيرين غيرهم ...

وفي حين كانت الموسيقى لدى العديد منهم شغفا ومثابرة كما في حالة جوزف فاخوري مثلاً، كانت لدى أولادهم ومن ثم احفادهم دراسة وعلما ومثابرة وابداع، فالابن الدكتور كفاح فاخوري هو الخريج الأول من قسم الموسيقى في الجامعة الأميركية حاملاً بكالوريوس في التأليف الموسيقي وقيادة الأوركسترا، وهو أمين المجمع العربي للموسيقى (جامعة الدول العربية) والمدير السابق للمعهد الوطني للموسيقي في عمّان (الأردن)، وقائد أوركسترا.  وضع عدة أعمال موسيقية في بداياته، بالإضافة إلى تأليفه كتب تربوية للأطفال وللمراحل الابتدائية، وكتباً عن الآلات الأوركسترالية التطبيقية والنظريات الموسيقية؛ والحفيد فؤاد (ابن كفاح) بدأ دراسته الموسيقية بتعلم العزف على البيانو ولم يبلغ الخامسة من عمره، حاصل على درجة البكالوريوس في التأليف الموسيقي والنظريات الموسيقية من جامعة ولاية وست تكساس، وكذلك على درجتي ماجستير واحدة في التأليف الموسيقي وثانية في قيادة الاوركسترا من جامعة ولاية بنسلفانيا، ثم درجة الدكتوراه في التأليف الموسيقي من جامعة نورث تكساس؛ وهو يعمل حالياً قائداً لأوركسترا Saginaw Bay  السمفونية  في ولاية ميشيغان وأوركسترا Wichita Falls السمفونية في ولاية تكساس.  وعمل كقائد لعدد من الفرق والمجموعات الموسيقية الصغيرة والكبيرة في الولايات المتحدة الامريكية.  كما قاد فاخوري اوركسترا المعهد الوطني للموسيقى في الأردن كقائد زائر في عدد من المناسبات من بينها حفل الاوركسترا في مهرجان جرش 1995.  وقد عزفت موسيقاه من قبل العديد من الأوركسترات والفرق الجامعية في الولايات المتحدة الامريكية، وعزفت اوركسترا شبيبة فيلادلفيا مقطوعة "نيو باروك للآلات الوترية" لأول مرة في مركز شبيبة فيلادلفيا بقيادة دافيد اوسبون، اما معزوفته الموسيقية "تحت الانقاض" والتي الفها لأوركسترا كبيرة فقد نالت الجائزة الاولى في مسابقة التأليف الموسيقي التي نظمتها جامعة ولاية بنسلفانيا منذ عدة أعوام، وقامت الاوركسترا الفلهارمونية لجامعة ولاية بنسلفانيا بعزفها وتسجيلها.

 وفي الحديث عن الإرث الفني، يؤكد فاخوري الحفيد: "توجهي الى الموسيقى امتداد لإرث عائلي. فجدّ والدي – شكري - كان يعزف الأرغن في الكنيسة في الميناء بطرابلس، وجدي -جوزف - وكذلك والدي – كفاح - كانا مؤلفين موسيقيين[25].

فما الذي يدفع معظم الأهل في لبنان إلى الإصرار على التعليم الأكاديمي؟ ويقبل بعضهم الاخر تعليم الموسيقى لأبنائه، هل هو اختلاف في الذهنية وفي التفكير، أم اختلاف في البيئة الثقافية والاجتماعية؟ أم ان الوراثة المهنية للأهل تلعب الدور الأكبر في التأثير على الأولاد من حيث اختيار المهنة؟

غالبا ما يصبح ابن الطبيب طبيبا، وابن المهندس مهندسا، والمعادلة نفسها تنطبق على الموسيقي وأبنائه، فالتنشئة الاجتماعية في البيت لا يمكن الا ان يكون لها تأثيرها الكبير على اختيار الأبناء.

كذلك، فالموسيقى ليست آلة للعزف فقط، كما كانت لدى الغالبية العظمى من الأجيال القديمة، بل هي علم أكاديمي نظري وتطبيقي، له ابعاد مختلفة وفضاء عالمي متنوع وغني، وهي تشكل مزيجاً سحرياً اذا ما اختلطت ببعضها البعض.  الموسيقى ليست تعليماً فقط، بل هي موهبة وتعليم ومثابرة وتميّز وإرث فني، وهي تواصل يتطلب الانفتاح الكامل على كل العالم، فالعملية الإبداعية لا يمكنها أن تنفصل عن الموروث الاجتماعي والثقافي[26]، فالأهل الذين آمنوا بالموسيقى وشغفوا بها وامتهنوها، ساهموا بشكل مباشر في التأثير ايجاباً على مسيرة ابنائهم الموسيقية.

في المقلب الآخر من الموضوع، الموسيقى تنتمي الى عالم الفنون، وبعض الفن اجمالاً لا يزال يحظى بنظرة غير إيجابية لدى الكثير من العائلات اللبنانية، كما ان العديد من العائلات تميل الى المهن المستقرة كالوظائف الثابتة، مما يؤثر على اختيار الأولاد لاختصاصهم المستقبلي.  أما من اختاروا وعاندوا وقرروا السير في اختيارهم للموسيقى، فذلك دليل إضافي على الشغف اللامتناهي لهذا الخيار.

كذلك فاختيار الموسيقى يعني اختيار الطريق الأصعب، إذ هي ليست مهنة عادية، ولا ترتبط بوقت وزمن، هي الهام ومثابرة ومتابعة وتطور وتطوير، وغالباً ما يقع الموسيقي نفسه في حيرة وقلق ما بين التمسك بالتراث أو الغوص بعيدا في موسيقى العالم، فمع كل تطوّر في مراحل الحياة وتركيبة المجتمعات تتغيّر عدّة مقاييس جمالية وفنية وكذلك طريقة مقاربة هذه المواضيع، وتنبثق حينها ازدواجية في الفكر تجمع بين الموروث والمعاصر، وانطلاقاً من هذا الطرح فإنّ جلّ المبدعين في المجال الفني يقفون أمام عديد المواقف إماّ اعتماد التراث والتمسك به كمرجع أو الانغماس في كل ما هو حديث ومعاصر دون مراعاة ما يتلاءم مع المحيط الاجتماعي والمجال الثقافي أو في المزج بين هذين الموقفين وهنا يجد المبدع نفسه أمام عائق أخر والمتمثل في إيجاد الحلول المناسبة لهذا التراث لجعله مواكباً لمقاييس "العالمية" والإشعاع العربي[27]؛ وهو ما حصل مع الكثير من المبدعين اللبنانيين. وتأكيدا يجيب فؤاد فاخوري في رده عن سؤال: كيف نجحت في تضمين موسيقاك الغربية هذه الروح الشرقية؟ لم أتعمّد ذلك، فتلك الروحية الشرقية تدخل تلقائياً في صميم أعمالي"؛ "غربية موسيقاي لن تتمكن من جذوري العربية"[28].

في النهاية لا بد ان نشير الى العديد من الأمور في هذه العجالة:

الامر الأول، أن الموسيقى لم ولن تكون مهنة عادية يمكن لأي كان السير بها، هي في قمة العلم والفكر والفن، وقلائل هم من يستطيعون الاستمرار في هذا العالم الواسع الأفق، وترك بصمة مميزة فيه.

الامر الثاني، ليس كل من حمل آلة وعزف عليها يمكن ان يطلق عليه لقب موسيقي.  فالعازفون كثر ولكن الذين برعوا لا بل أبدعوا في العزف قلة.

الامر الثالث، أن من آمن بالموسيقى فعلاً وبقدرته على خوض هذا العالم المتمايز، لن يستطيع أهله أو المجتمع بأكمله ابعاده عن هذا الشغف، فالموسيقى ان سكنت الروح لن تغادره.  يقول أفلاطون "الموسيقى هي أرفع الفنون وأرقاها، لأن الإيقاع والتوافق في يقينه يؤثران في النفس الباطنة، والحياة الانفعالية للإنسان، بما ينعكس أثره إيجابا على أعضاء الجسم وأجهزته"؛ ويؤكد جيرمي مونتاجو من جامعة أوكسفورد: "تعقد الموسيقى رابطة وثيقة بين الناس، كتلك التي بين الأم وصغيرها أو بين الجماعات". ويضيف: "تُبقي الموسيقى العمال سعداء عند أداء عمل مكرر أو بتعبير آخر عمل ممل، وتساعدهم على التحرك معاً، مما يزيد قوة عملهم.  ويربط الرقص أو الغناء معاً قبل الصيد أو الحرب المشاركين في جماعة مترابطة". ويستنتج أن: "الموسيقى بخلقها مثل هذه الترابط، لم تؤسس العائلة فقط بل المجتمع نفسه، مُقربة الأفراد ببعضهم والتي دونها لتُركوا لحياة الانزواء"[29].

وبما ان المجتمع اللبناني يعاني ما يعاني حاليا، فلنأمل ان تكون الموسيقى هذا الزاد الذي يسهم في نشر الهدوء والطمأنينة في نفوس اللبنانيين، وما أحوجنا اليوم الى هذه الرابطة الوثيقة التي تجمعنا في إطار انساني اجتماعي راقٍ.

 


[1] - دكتوراه في العلوم الاجتماعية ومنسقة مادة علم الاجتماع في وزارة التربية اللبنانية.       

[2]- يعرف صراع الأجيال عند علماء التربية والاجتماع وعلم النفس، انه الاختلاف في الرأي بين الجيلين: جيل الشباب وجيل الإباء أو الكبار، واضطراب العلاقة بينهما، كما اختلاف الرأي في مقاربة الأمور؛ يتّهم الأولاد آباءهم بالتزمت والتشدد، فيما يتهم الإباء أولادهم بأنهم قليلو الخبرة ولا يقيمون وزنا للعادات والتقاليد والقيم.

[3]- https://www.alayam.com/Article/courts-article/410589/Index.html

[4]-مجلة الموسيقى العربية، أكتوبر 2014 (اخذ بتاريخ 25-11-2022) https://www.arabmusicmagazine.org/item/904-2020-10-13-14-06-07

[5]- https://petra.gov.jo/Include/InnerPage.jsp?ID=2153134&lang=ar&name=archived_news

وكالة الأنباء الأردنية، جهود حثيثة لكتابة تاريخ الموسيقى العربية، فبراير 2016 (أخذ بتاريخ 26-11-2022)

[6]- مجلة البيان الالكترونية، الموسيقى في الثقافة العربية، دنيس جونسون ديفز، 5 يناير 2015 (اخذ بتاريخ 24 -11- 2022) https://www.albayan.ae/opinions/articles/2015-01-05-1.2280691

[7]- https://www.aljazeera.net/cultureandart/2012/11/6/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

نقلا عن موقع الجزيرة الالكتروني، تاريخ الموسيقى العربية في كتاب، 6 نوفمبر 2012 (أخذ بتاريخ 3 ديسمبر 2022)

[8]- الموقع الرسمي لنقابة محترفي الموسيقى والغناء في لبنان http://www.cmuda.org/cmuda/synd2.html.

[9]- دور المعلمين اليوم تعمل على تدريب الأساتذة (العاملين في القطاع الرسمي)  ضمن اطار التدريب المستمر، لكنه مسار مختلف عن العمل الذي كان يقوم به في الماضي لجهة اعداد المعلمين قبل دخولهم إلى المدارس.

[10]- تبعا للغة العربية: أول كل شيء، والمقصود هنا بالتسجيلات الأولى غير المتوفرة في أماكن أخرى – البِكَر.

[11]- https://www.amar-foundation.org/about/?lang=ar

[12]- جريدة الرأي الأردنية، محاضرة حول العلاج بالموسيقى في السجون، 15 يوليو 2006 (أخذ بتاريخ 17 ديسمبر 2022) https://alrai.com/article/178079/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D8%B1%D8%A9-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%AC-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86

[13]- المؤسسة العربية للإعلان، الموسيقى ثقافة وعلاج، وفاء ديبو، 20 يونيو 2017 (اخذ بتاريخ 17 ديسمبر 2022)

 http://elan.gov.sy/2017/site/arabic/index.php?node=5537&nid=1189&

[14]- الموقع الرسمي لوزارة الثقافة اللبنانية http://culture.gov.lb/ar/Affiliates/National-Higher-Institute-of-Music

[15]- موسيقى الحجرة  بالانجليزية Chamber Music، هي نوع من الموسيقى الكلاسيكية ، تؤدى بواسطة عدد محدود من العازفين، وقد كانت تؤدَّى في حجرات داخل القصور، حيث لفظ chamber يعني " الحجرة" ، و تؤدى المقطوعات الموسيقية  بدون قائد، و بذلك يحظى كل مؤدٍ بحرية فنية أكثر، و لكن في إطار النص الموسيقي المكتوب. تلقب موسيقى الحجرة أيضا بلقب موسيقى الصالون لأنها كانت في الأصل تكتب للعزف في صالونات الأمراء.

[16]- جميع المعلومات مأخوذة من إدارة الكونسرفاتوار

[17]- موقع الجيش اللبناني، أسماء لامعة: الموسيقى المعبد الأكبر، تيريز منصور، العدد 13، يوليو 2011 (اخذ بتاريخ 17 ديسمبر 2022) -

[18]-جريدة النهار، حوار مع هبة القواص بعد تسلمها رئاسة الكونسرفاتوار، روزيت فاضل، 13 يونيو 2022

[19]- (أخذ بتاريخ 17 ديسمبر 2022)Made For Minds,   هكذا تؤثر الموسيقى على قدراتنا التعليمية، 29 مارس 2016

https://www.dw.com/ar/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%A4%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9/a-19148696

[20] - مجلة انسانيات، المجلة الجزائرية في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، العائلة: عاداتها وتقاليدها بين الماضي والحاضر، محمد سعيدي،  1998( اخذ بتاريخ 4 ديسمبر 2022) https://journals.openedition.org/insaniyat/11652?lang=ar

[21]-  د. فردريك معتوق، التقاليد والعادات الشعبية اللبنانية، طرابلس، لبنان، مطبعة جروس برس، 1986.

[22]- مقابلة مع والدة جورج طنب السيدة غيتا بتاريخ 13 ديسمبر 2022

[23]- اللبناني جورج طنب ملحن باليه بينوكيو، 19 يناير 2022 (أخذ بتاريخ 1 ديسمبر 2022) Swissinfo-  https://www.swissinfo.ch/ara/afp/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%AC%D9%88%D8%B1%D8%AC-%D8%B7%D9%86%D8%A8-%D9%85%D9%84%D8%AD-%D9%86--%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A8%D9%8A%D9%86%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%88--%D9%8A%D8%A8%D8%AF%D8%A3-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%8A%D8%AB-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AE%D8%B1%D9%88%D9%86/47274462

[24]-  مهندسة لبنانية مقيمة في باريس، المقابلة تمت بتاريخ 3 ديسمبر 2022.

[25]- جريدة النهار اللبنانية، فؤاد فاخوري: اكتب الموسيقى كمن يبوح ل طبيب نفسي، نداء عودة، 9 يونيو 2016.

[26]- مجلة الموسيقى العربية، قراءة في علاقة الموسيقى العربية المعاصرة بمفهوم التراث والحداثة، الاصالة والتراث الموسيقي العربي، عزيز الورتاني، سبتمبر 2013 (أخذ بتاريخ 27-11-2022) https://arabmusicmagazine.org/item/941-2020-10-13-14-06-07

[27]-  مجلة الموسيقى العربية، قراءة في علاقة الموسيقى العربية المعاصرة بمفهوم التراث والحداثة، الاصالة والتراث الموسيقي العربي، عزيز الورتاني، سبتمبر 2013 (أخذ بتاريخ 27-11-2022)  (مرجع سابق ذكره)

[28]- http://www.aliabdulameer.com/inp/view.asp?ID=208 المايسترو فؤاد فاخوري: غربية موسيقاي لن تتمكن من جذوري العربية.  (أخذ بتاريخ 15 ديسمبر 2022)

[29] - https://www.alaraby.co.uk/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%82%D9%89-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1

مجلة العربي الجديد، قصة الموسيقى سيرة البشر، أغسطس 2018، (أخذ بتاريخ 12 ديسمبر 2022)

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 02 كانون2/يناير 2023 13:00
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

واقع العلاج بالموسيقى في العالم العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM