arenfrfaestr

التأليف السوناتيّ عند العرب "دراسة في العلاقة بين الشكل والبلاغة والمُعاش" الجزء الأول

د. وسام جبران (فلسطين)

مقدمة:

لنأخذ "السوناتا" كمثال على الصّرامة البُنيويّة في التأليف الموسيقي الكلاسيكي، وهو المثال الأفضل، لوقوعه على تقاطع التأليف الموسيقي مع الفلسفة والفكر.  كيف يمكن حصر فهمنا للبُنية السوناتيّة وتأطيره في صيغٍ بنيويّة محددة صارمة في ظل غياب إجماع فيما يتعلق بالأساليب التي تتشكل عبرها السوناتا منذ بدايات القرن التاسع عشر، بل ويواجه المحللون مجموعة من الأساليب المتنوعة، في ميدانٍ موسيقيٍّ متنازع عليه\ (Hepokoski & Darcy, 2006, p. 3).

من الصّعوبة بمكان فهم الخروج عن أيّ نظامٍ بُنيويّ في الموسيقى دون فهم معنى البُنيويّة وأهميتها في الموسيقى، والسوناتا هي موسيقى بُنيويّة على أنواعها، وعبر تاريخها، وفي تقاليدها.

في الموسيقى، البُنيويّةُ علمٌ (Musical Forms).  فما من مؤلّفٍ موسيقيٍّ جادٍّ إلا ويدرس قوانين ونُظم البُناء الموسيقي والصّيغ والأنواع بكثير من الجهد والمكابدة.  ولأن البُنيويّة علمٌ، فإننا نجدها منتشرة في كلّ مستويات التأليف الموسيقي وطبقاته، الصّائتة منها والصّامتة. وهي معنيّة، لا بالمواد (المضامين) وحسب، بل بالأشكال التي تتخذها هذه المواد، وهي ما يُشكّل الثيمات أو مفاصلَ العمل الموسيقي عمومًا. وبذلك، فإن الغاية من البُنيويّة بلوغ لغةٍ موسيقيّةٍ سرديّةٍ، تعرف كيف تكشف وتستعرض موادها وسرديّاتها الأولى (Exposition)، وكيف تتطور هذه المواد والثيمات وتتفاعل مع بعضها البعض ضمن احتداماتٍ وحُبُكاتٍ منضبطة (Development)، تروي، تُفصّلُ، تُمفصلُ، توحّد، تُناسج، تنزاح، تعود أدراجها إلى مستقرّاتٍ تونالية بعينها، الخ... وهي تفعل ذلك كي تُحيك سرديّتها الخاصة، لكنها لا تفعل ذلك إلا من داخل سرديّةٍ بُنيويّة عامة، تدور تحت مظلّةٍ واحدةٍ اسمها "روح العصر" (Zeitgeist).  وعليه، فإن البُنيويّة تظلّ منشغلة بالتصنيفات، والقوانين اللحنيّة (التونالية)، والنُّظم التي تشكّل الجمل اللحنية وتواشجاتها التضاديّة (الكونترابونتيّة) أو تناغماتها الهارمونيّة، والعلاقة بين الأجزاء التي تشكل البدايات، ثم الاحتدامات والحبكات، وصولًا إلى النهاية (أو العَوْد على بدء - Recapitulation).

لكن، إلى أي مدى يمكن للبناء السوناتي أن ينضبط تحت وطأة نظام واحدٍ صارم؟  وإلى أي مدى يمكن توقع الإحداثيات التي تلي وفقًا لما سبق من كشوفٍ سردية، بكل تفاصيلها اللحنية والإيقاعية والتناسجية (Textural) والهارمونية الخ... فبدلاً من وضع خطة مُسبّقة ومعقدة للنموذج السوناتي، فضل تشارلز روزن (Charles Rosen) أن يوضح مدى صعوبة، أو عبثيّة تقديم مجموعة من التوقعات التفصيلية بسبب التميّز الفريد للمسارات التي تحدث في مؤلّفاتٍ سوناتيّة بعينها يؤلّفها ملحنون عباقرة.  ويتجنب روزن فكرة "الممارسة النمطيّة العامة" لبناء السوناتات، باستثناء بعض المتطلبات اللونية والخيارات التركيبية البُنيويّة المشتركة، جانحًا نحو هذا النهج الحدسيّ إلى حد ما، والذي يصعب معه التنبؤ باحتمالات التطوير الحبكي، مكتفياً بالتشديد على عناصر مشتركة عامة مثل "الاستقطاب اللحني" (Tonal polarization) الذي يوفر طاقةً دراماتيكية مهمة لكل مادة سوناتيّة ذات طابع دراماتيكي احتدامي. (Hepokoski وDarcy، 2006، الصفحتان 3 و4)

من هنا، فإن القوانين والنُّظم الشائكة التي طالما شكّلت تحديًّا أساسيًّا للمؤلفين الموسيقيين الذين عليهم أن يلتزموا بها، بنيويًّا، من جهة، والبحث عن خصوصيتهم وبصمتهم عبر الخروج عن هذه النُّظم، من جهة ثانية، لها أصلٌ لا يُمكن إغفاله والتغاضي عنه، هو البلاغة الموسيقيّة، التي بدونها لا يمكن تحليل أشكال الموضوعات (الثيمات الموسيقيّة) والجمل والموتيفات (المُفردات الصغيرة)، كما لا يمكن أن تكون الموسيقى "مفهومة"، أي قادرة على التعبير والتواصل، من دونها.

وبقدر ما تتجاوز هذه الموتيفات الصغيرة (وحدات البناء الأصغر في لغة الموسيقى) ذاتها، من حيث هي مجرّد تتابعات نغمية وزمنيّة عالقة في حرفيّتها وذاتها الصوتية – الفيزيائية، إلى حيّز أوسع من المعنى والتعبير والمُثاقفة، بقدر ما يمكنها تشكيل طاقةً تعبيريّة دافعة لمجمل تطورات الحُبكة السردية داخل العمل الموسيقي الواحد.  ولكي نفهم هذه المسألة على نحو عمليّ، دعونا نرجع إلى السوناتا بوصفها صيغةً بنيويّة سرديّة، هي الأشبه بالصيغ السردية القصصية أو الروائية في الأدب الكلاسيكي، حيث الأجزاء الثلاثة الأساسيّة:

  • البداية (استعراض المواد - Exposition)،
  • الحُبكة، أو الاحتدام الدراميّ (Development)،
  • والنهاية-الحلّ (أو العَوْد على بدء في الموسيقى - Recapitulation)،
  • وقد يُضاف إليها أحيانًا تذييل (Coda).

والسؤال هنا، كيف تتأثر البلاغة بالصيغة (Form)، وكيف تتأثر الصّيغة بالبلاغة؟ وبتعبير آخر: ما العلاقة البُنيويّة بين البلاغة والصيغة (الشكل البُنيوي)؟

ببساطة شديدة، لا يُمكن بناء الحُبكة، وتفعيل الاحتدامات الدراميّة إذا لم تتوفر لدينا، منذ البداية، وفي الطبيعة البُنيويّة والبلاغيّة للمواد والثيمات، عناصر تملك من طاقة الاحتدام ما يوفر الشروط لحبكةٍ جيدة. 

لنأخذ بعض الأمثلة من سوناتات بتهوفن الـ 32 للبيانو، والتي توفر لنا مادّة دسمة لعدة أسباب:

  • أولًا، لأنها كُتبت على مدار ما يُقارب ثلاثة عقود من الزمن (بين 1795-1822)، وهي الفترة التي كابدت فيها الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية مخاضات عصر التنوير (ثقافيًّا وفلسفيًّا)، فتبلور فيها العصر الكلاسيكي وبلغ ذروته التي شكلت البدايات الأولى الناضجة لمعالم العصر الرومنتيكي اللاحق. إذن هي حقبة مفصلية في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية.
  • ثانيًا، لأنها توثّق، على نحو أو آخر، مراحل تطور مشروع بتهوفن السوناتي على مدار حياته الإبداعية في مراحلها الثلاث المعروفة لدى المؤرخين والنقاد، بدءًا من تأثره بأساتذته (هايدن وموتسارت) وصولًا إلى سيروراته التي تتنصّل من كلّ ما هو محدود ومألوف في "الصّوت" (sonority) الكلاسيكي، وهو مسار شاقٌّ كان قد واكب مراحل مفصليّة مهمة في تاريخ أوروبا السياسي والفكري.
  • ثالثًا، لأن مشروع بتهوفن السوناتي قد تفاعل على نحوٍ عميق مع الحياة الثقافية في بون التنويريّة آنذاك، ومع فيينا، وأوروبا عمومًا، كذلك مع تداعيات الثورة الفرنسية وآثارها المتصاعدة، على الأرض وفي الأدبيات، مما زاد من "ضرورة" الاحتدام الدرامي ووتيرة تطور السوناتا على نحو مذهل، بالتداعي مع تطورات العصر المتسارعة والدراماتيكية. ولأن مشروع بتهوفن السوناتي هو كذلك، فهو يشكل لنا أرضًا خصبة لفهم العلاقة البُنيوية بين الشكل والبلاغة والحياة الاجتماعية والسياسية المعيشة على المستوى الإنساني الواسع، بما يُفيدنا في فهم تجربة التأليف السّوناتيّ عند المؤلفين العرب المعاصرين، وفهم بلاغتهم الموسيقيّة في علاقتها البنيوية مع الشكل، من حيث هم مبدعون ينتمون في مشروعهم الموسيقي إلى الإنسانية وهمومها المشتركة أولًا، والتي لا تنفي عنهم خصوصيتهم الثقافية والشخصية. وهنا، علينا أن نوضح لماذا اخترنا بتهوفن لنقفز منه إلى المؤلفين العرب المعاصرين، وإلى القرن العشرين والواحد والعشرين، ولم نختر مؤلِّفًا موسيقيًّا، أو أكثر، من المعاصرين الأوروبيين؟ والإجابة البسيطة عن هذا السؤال هي أن المؤلف الموسيقي العربي المعاصر، لا يملك رصيدًا من الموسيقى كالذي يملكه مؤلف موسيقي أوروبي آخر معاصر، وبالتالي، فإن واقع الحال في فضاءاتنا العربية التي نعمل ونُنتج فيها ما زالت تُصارع النظام التونالي الكلاسيكي، ولم تمر بالمراحل التاريخية الطبيعية التي مر بها المؤلف الموسيقي الغربي (والجمهور كذلك) حتى وصل إلى ما وصل إليه من مدارس شتى متحررة من نظام التونالية، كما هو الحال في العصر الحديث.

في هذه المقالة، نتناول بالبحث مؤلِّفَيْن موسيقيين عرباً كنماذج دراسية للمقولة السوناتية العربية الحديثة، إن صح التعبير، وهما عبد الله المصري، وهتاف خوري.

 

 التوناليّة كنظام موسيقي

في تعريفه لمعنى التوناليّة، يقول أدورنو: "هي تلك المحاولة المُوجِبة لموضعة الموسيقى داخل نوع من النظام الاستطراديّ (Discursive logic).  ويترتب على ذلك أن العلاقات [الممكنة] بين التناغمات المتماثلة (Identical chords) تحمل المعاني نفسها بالنسبة لهذه التناغمات على الدوام. إنه، إذن، نظامٌ من التعابير العرَضيّة". (Adorno T. , 2005, p. 50)

وانطلاقًا من هذا التعريف، غير المدرسيّ، للتوناليّة، نفهم، وبحسب أدورنو كذلك، أن "مجمل تاريخ الموسيقى الحديث هو ليس إلا محاولة لـ "تحقيق" هذا النظام الموسيقي من النِّسَب الرياضية، بينما يمثل بتهوفن السّعي نحو موسيقى تشتقّ معانيها من [صميم] ذاتها، وتطور مجمل المعاني الموسيقية من التونالية". (Adorno T. , 2005, p. 50)

إن التعريف الذي يسوقه أمامنا أدورنو، والذي يجعل من النظام التونالي نظامًا بُنيويًّا متكاملًا ومتماسكًا، ويُشكّل منطلقًا للتحديث (عند بتهوفن مثلًا)، هو ما يجعله ينظر إلى النظام الموسيقي الاثني عشريّ (Twelve-tone music) كبديل للتونالية، بوصفه فكرة فاترة، وعمليّة تفريغٍ دؤوبة للبعد الكونيّ، والطاقة الاستيعابية الكامنة في العلاقات التونالية، التي تنعكس في طاقاتها البُنيوية والبلاغيّة على الشكل البُنيوي الكامل؛ في وحداته الأصغر بناءً وفي وحداته الأكبر وصولًا إلى البناء الكامل. (Adorno T. , 2005, p. 50)

 

البناء وإعادة البناء: جدلية الشكل والبلاغة والوجود

إن التأويل الأكثر إثارة للعلاقة البُنيوية بين الشكل والبلاغة والوجود المعيش، يكمن في التآلفات بين الرَّسَامات الاستخطاطيّة قبل-البدئيّة، وبين الأفكار الشكلية المنهجية (formal ideas) لكل مؤلَّفٍ وآخر على نحو مستقل.  

للشكل منابعه في التقاليد الموسيقية، الجادّة منها والشعبي على حدٍّ سواء.  لكن الأشكال ليست وليدة الاصطناع أو التّعسّف، بل وليدة تراكماتٍ تنبع من الحاجة والاستساغة. إلا أن الحاجة تحيل عادةً إلى شروط الوجود المعيش وإملاءاته الثقافية والاجتماعية والسياسية والنّفسيّة، العامة والشخصية، بينما تحيلنا الاستساغةُ إلى "قوانين" علم الجمال، لكن في سياقاتها الوجوديّة المعيشة تحديدًا. أما البلاغة، فهي، موسيقيًّا، الاهتمام باللغة ذاتها.  إلا أن هذا لا يكون ممكنًا بمعزل عن التأثُّر والتأثير بالأشكال وفيها، كما تتأثر وتؤثر بالسياقات الوجوديّة المعيشة.

نحن هنا، إذن، أمام مجموعة علاقاتٍ يصعب تفريقها أو الفصل بينها، ولا يمكن دراستها أو فهمها بمعزل عن بعضها البعض، إلا لأغراضٍ مدرسيّة وتقنيّة بعينها، ذلك أن فعل التأليف سيرورة يقوم بها المؤلِّف، ليس بلا تخطيط مُسبّق، لكن دون إغفال لمفاعيل التأليف بوصفه سيرورة، لا موسيقية نصِّيَّة وحسب، بل سيرورة وجودٍ إنسانيٍّ فاعلٍ بكل ما في الكلمة من تفصيل.  في هذا السياق، يقول أدورنو عن هذه العلاقات: "إنها علاقاتٌ حقيقية. فالمخطوط الموسيقيّ ليس مجرد إطار تجريديّ ضمنيّ يتحقق عبر تصور شكليّ محدّد، بل هو مخطّط ينبثق من التصادم بين فعل التأليف [السّيروري]، وبين التخطيط المُسبق".  (Adorno T. , 2005, p. 60)، وغالبًا ما يشكّل طرسًا (Palimpsest)، وكتابة فوق محوٍ.  إذن، وعلى النقيض من موتسارت الذي، ومن منظور تاريخي فلسفي، نجح في إيجاد موقع قدم لموسيقاه ذات الطابع الاحتفاليّ اللّبق والمُطلقي (absolutist)، دون الخروج عن الذائقة البرجوازية السائدة، فإن بتهوفن كان جدليًّا بامتياز، وسعى دومًا للإفلات من سطوة الصّيغ التقليدية، وهذا غير ممكن دون الخروج عن النظام التونالي الصّارم. فها نحن نراه في الـ "Appassionata" (سوناتا رقم 23، تصنيف 57، بسلم فا صغير، 1805)، يحيد عن البدء الواضح والصريح بدرجة الارتكاز الأولى من السلّم (Tonica)، فيحوم حولها في جملته الأولى، ثم، وبعد تأمل صامتٍ وتفكّرٍ قصير، يكرّر العبارةَ على نحو فلسفيٍّ مُدهشٍ لا سابق له في تاريخ السوناتا الكلاسيكية، حيث يتموضع "توناليًّا" في الدرجة الثانية من السُّلم، في خطوةٍ تكرّس اللايقين وفلسفة الشكّ، موسيقيًّا، ثم يتابع تطوير الجزء الثيماتي الأول من خلال أسلوبه المعهود، عبر التكرار، والاجتزاء، والتبئير، والاختلاف.

لم يكتف بتهوفن، في هذا المثال، بالجدلية التي تأسست في بُنية الثيمة الأولى ونظامها التونالي المتشكّك، بل قام في هذه السوناتا بكتابة موضوعتيْن مختلفتين ضمن الجزء الاستعراضي، الذي اعتاد، كلاسيكيًّا على موضوعةٍ واحدة، ليزيد بذلك من زخم الاختلاف والتضادّ، مما يوفر له مادة دسمة لحبكةٍ أكثر دراماتيكيّة وتعقيدًا.

لن نستفيض في الشرح، فالشروحات المدرسية لهذه السوناتا كثيرة، لكن من الجدير الانتباه إلى أن المخطوط العام الجديد في هذه السوناتا قد تولّد من هذه الموضوعاتيّة (الثيماتيّة) الثنائية (bi-thematic) ذاتها، وبإملاء شديد الإصغاء إلى مكونات هذا الاستهلال المركّب، على مستوى النظام التونالي، والشكل، والبلاغة التي تتضمن مجمل تفاصيل اللغة الموسيقية المكوّنة بما فيها اختيار طبقة الصوت التي تحيل إلى طبيعة الصوت (sonority) (الرّخيم، في هذه الحالة) والذي يتسق مع شخصية الحكيم المُتشكك، الذي يُفكّر بصوته النهائي، لا في مُسوّداته فقط، مما يجعل من "السيرورة الإبداعية" من حيث هي فعل مكابدة وتفكّر، موضوعًا للعمل الفني، وفي متنه، كمن يبدأ من الوسط (in medias res)، ودون ديباجات.

0011aa.jpg

   من الجزء الاستعراضي (Exposition) من سوناتا بتهوفن للبيانو، رقم 23، تصنيف 57

لا يمكن فصل الشكل والبلاغة الموسيقيين عن السياق الوجودي الشخصي والعام في تجربة بتهوفن، ومن العبث "قتل المؤلّف"، وتناول النص خارج تفاعلاته الضمنية مع الأحداث الهامة والتقلبات السياسة التي اجتاحت فيينا وأوروبا مع الثورة الفرنسية ثم حملات نابليون في ذلك الوقت، والتغيرات الجذرية التي طرأت على البنية الاجتماعية والطبقية حيث عاش بتهوفن وتفاعل مع الأحداث والشخصيات والحركات الأدبية (كالعاصفة والاندفاع مثلًا)،[1] ومع صدور كتبٍ فلسفية مفصلية في تاريخ الفكر، ككتاب هيجل "ظواهرية الروح" (Phänomenologie des Geistes)، عام 1807 (أي في نفس الفترة الزمنية والمناخ الثقافي الذي ألف فيه بتهوفن أعماله التي تُصنَّف ضمن المرحلة الوسطى من حياته، والتي بدأ فيها ما أسماه "الطريق الجديد" New Path، أي بدءًا من السوناتات 16،17،18، المصنف 31) ومن قبل هيجل صدور ثلاثية كانط تباعًا ("نقد العقل المجرد" عام 1781، و"نقد العقل العملي" عام 1788، و"نقد ملكة الحكم" عام 1790)، والكتاب الأخير، هو من أهم الكتب التي ناقشت أسئلة هامة في علم الجمال و"حكم الذائقة"، كما أسست لمقولة العقل الذي يرتكز إلى الحريّة، وهي أفكارٌ، لو أردنا التعمق فيها لوجدنا الكثير منها يوجه بوصلة الشكل والبلاغة واللغة الموسيقية عند بتهوفن، لكننا سنترك ذلك لسياق أوسع.

وثمة إشاراتٌ لتأثر بتهوفن بالفلسفة الأخلاقية الكانطيّة رغم رفضه حضور سلسلة محاضرات عن كانط في بون (قبيل رحيله الأول إلى فيينا) بدعوة من صديقه فيجلر (Wegeler). (Forbes, 1967, p. 167)

واستطرادًا، كيف نفهم "الأسلوب الأخير" عند بتهوفن خارج العلاقة الاندماجية الوثيقة بين البُنية الشكلية والبلاغية، والتجربة الوجودية المعيشة؟

وكي لا ندخل في ترّهات هذا الموضوع الذي أسهب فيه كل من ثيودور أدورنو، (Adorno T. , 2005, pp. 123-137) وإدوارد سعيد، (سعيد، أفكار حول الأسلوب الأخير، 2004) كلٌّ على طريقته، نكتفي بالتذكير بفكرة التشظّي، وهي صفةٌ غالبة على أعمال بيتهوفن الأخيرة، والتي لا يمكن فهمها بمعزل عن التجربة المعاشة للمؤلِّف، أزماته العائلية والعاطفية، تفاعلاته مع الحدث السياسي والمجتمعي، أمراضه، فقدانه للسمع، الخ...).

 

العلاقة البنيوية بين البلاغة والحُبكة

سوف نختار للقارئ بعض الأمثلة المفصليّة التي تعين على فهم هذه العلاقة دون الإسراف في الشرح. وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه سابقًا في المقدمة: ما هي العلاقة البُنيويّة بين البلاغة والصيغة (الشكل البُنيوي)؟

تحوّلت "الحُبكة" في سوناتات بتهوفن، شيئًا فشيئا، إلى متن السوناتا، حجمًا ووظيفةً. فمع تحوّل السوناتا إلى صيغة جدلية فلسفية، صارت الحاجة إلى حبكة دراماتيكية أكبر من ذي قبل، كما عهدناها عند هايدن أو موتسارت مثلًا. وعليه، فقد اتخذت مواد الجزء الاستعراضي (Exposition) وضعيّةً أكثر جدليّة مما عرفته سابقًا من تناغم وتقارب في المواد والتزام بالقواعد التونالية المألوفة، نحو تنافراتٍ وتناقضاتٍ بين وحدات البناء الأصغر التي تركّب موضوعات السوناتا الأولى، وصولًا إلى الوحدات التعبيريّة والشكلية الأكبر، كما أنها قد نحت منحى الخروج عن المألوف التونالي، بل وعن البُنية السوناتيّة التقليدية برمتها أحيانًا.

0011bb.jpg

بتهوفن، سوناتا البيانو رقم 1، تصنيف 2، بسلم فا صغير

في السوناتا الأولى للبيانو، (تصنيف 2، رقم 1، بسلم فا صغير)، يزرع بتهوفن بذور مخططه الكامل في جدليّة الموضوعة الأولى التي تقوم على زخم الاختلاف أولًا، ثم على التكرار والاختلاف، مع التّبئير والاجتزاء، ثانيًا. وبذلك يتسع المجال لبتهوفن بأن يوظف هذه الاختلافات ويُفعّلها في جدليّات تخلق حُبكةً دراماتيكيّة غنيّة، تؤثر على البُنية العامة للسوناتا. ومن الجدير بالذكر، أن بتهوفن، فيما نجح بإحداث تغييرات جذرية على البُنية السوناتية في سوناتات البيانو، لم ينجح في فعل ذلك مع البُنيات السمفونية، كما نوّه إلى ذلك ريتشارد فاجنر: "لم يغير بتهوفن شيئًا في بُنية الحركة السمفونية، حيث وجدها قد تبلورت عند هايدن. ولم ينجح في ذلك للسبب نفسه الذي يجعل المعماريَّ عاجزًا عن إزاحة أعمدة العمارة من وضعيتها العاموديّة إلى وضعيّةٍ أفقيّة [...] ومن الملاحظ بوضوح أن إبداع بتهوفن قد تجلى هنا في الإعدادات الإيقاعية أكثر منه في التحولات الهارمونية". (Wagner, 1888, p. 177f) 

لا شكّ أن صيغة السوناتا قد تطورت وتبدّلت مع العصور، وصولًا إلى القرن الواحد والعشرين، وبات السؤال حول ما تبقى من "السوناتا"، معنويًّا وشكليًّا ووظيفيًّا وجماليًّا، ضروريًّا لفهم الأسباب المعاصرة التي تجعلنا نستمر في استخدام هذا المسمّى الكلاسيكي. فما الذي يجمع بين سوناتا للبيانو لسكارلاتي أو هايدن أو موتسارت أو بتهوفن أو بروكوفييف أو بوليز؟ ولماذا ما زلنا نطلق هذا الاسم ذاته على أعمالٍ موسيقيّة آخذة في الافتراق عن بعضها البعض، بكل المقاييس؟

 

في العدد القادم من مجلة الموسيقى العربية تتمة لهذه المقالة تجيب عن السؤال ما الذي يدفع مؤلفا موسيقيا "عربيا" لكتابة سوناتا للبيانو في القرن الواحد والعشرين، كما ستُظهر مع عبد الله المصري في سوناتا البيانو: "الوجه الآخر للقمر"، ومع هتاف خوري في سوناتا البيانو رقم 3 بعنوان "لحظات ضائعة"، وسوناتا البيانو رقم 4 بعنوان "خراب".

 


 

المراجع

  1. Adorno, T. (2005). Beethoven, The Philosophy of Music. UK: Cambridge Polity Press.
  2. Forbes, E. (1967). Theater`s life of Beethoven (Volume 1). New Jersy: Princeton University Press.
  3. Hepokoski, J., & Darcy, W. (2006). Elements of Sonata Theory. Oxford university press.
  4. Levinas, E. (1987). Time and the Other (R. Cohen, Trans.). Duquesne University Press.
  5. Wagner, R. (1888). Gesammelte Schriften und Dichtungen (2, 10). Leipzig.
  6. إدوارد سعيد. (خريف, 2004). أفكار حول الأسلوب الأخير. مجلة الكرمل (81).
  7. وسام م. جبران. (2022). موسيقى عربية صامتة، حوارات مع مؤلفين موسيقيين عرب. القدس: دار جاما للنشر.

 

[1] حركة أدبية ألمانية رومنتيكية عرفت باسم " Sturm und Drang" في أواخر القرن الثامن عشر (1770-1790) كرد فعل على عقلانيّة عصر التنوير. ومن روادها: الشاعران يوهان ف. غوته ويوهان ك. فون شيلر، إضافة إلى ج.غ. فون هيردر.

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الأربعاء, 01 آذار/مارس 2023 09:19
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل أصداء المهرجانات الموسيقية أبعد من صدى موسيقاها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM