ملامح تاريخية – الموسيقى السودانية

د. الفاتح حسين احمد - عميد كلية الموسيقى والدراما- جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا

عندما تولت الثورة المهدية مقاليد الحكم في السودان في العام 1885م، هاجرت إلى مدينة أم درمان بوسط السودان مجموعات عرقية متنوعه من السودانيين بغرض مناصرة الثورة المهدية ضد المستعمر الإنجليزي، وأيضا بغرض التجارة وحملوا معهم ثقافاتهم الغنائية المتنوعة، وتصاهرت فيما بينها.  ونتج عن ذلك ظهور أنماط وأساليب غنائية جماعية متنوعة كان لها دور كبير في وضع البذرة الاولى للتبادل الغنائي بين أقاليم السودان المتنوعة ومنها: غناء العصى، غناء الطنبارة، غناء الدوبيت[1]، غناء شاعر الربابة، غناء الدلوكة[2]، ويعتبر الدوبيت وغناء الطنبارة من أهم الأنواع التي كونت مرحلة الغناء في بداياته الأولى في السودان.

 

أغاني الطنبارة:

اشتهرت وانتشرت أغاني الطنابرة في فترة الحكم التركي (1821م – 1881م)  الطنبرة ، الكرير والحمبي كلها مسميات تشير إلى طريقة معينة في إصدار أصوات من الحلق ـ الحنجرة ـ يؤديها الرجال في شكل جماعي وهم مطربون غير محترفين، تؤدى أغنيات الطنبارة على مرحلتين، المرحلة الاولى هي مرحلة التقديم حيث يقوم الطنبار الأساسي بتقديم (الرمية) وهى عبارة عن القاء شعري بلحن دائري بسيط  باللهجة العامية وتكون بمثابة مقدمة تمهيدية (تلقائية) سردية ( Recitative ) مستعرضاً مهارته الصوتية وعلى إيقاع بطئ وعريض لكسب استحسان الجمهور وخاصة الفتيات المعنيات بالرقص، ثم تأتي المرحلة الثانية وهى دخول مجموعة الطنبارة بإصدار اصوات بحلوقهم خالية من أي كلمة ويطلق عليه (الكرير) وتكون في شكل إيقاع منتظم بواسطة الصفقة بالأيادي والضرب على الأرض بالأرجل أو إحداث نقرات نتيجة ضرب عصا بعصى اخرى، ودائماً ما يكون مصحوباً برقص الفتيات، وعادة ما تكون الرمية قصيرة من حيث النص الشعري، بسيطة في معانيها مرنة في إيقاعها وباللهجة العامية،  ثم العودة مرة أخرى إلى الطنبار الأساسي والرجوع إلى الإيقاع البطيء.

 

أغاني الدوبيت:

الدوبيت ويعادله في الموسيقى العربية الموال ويأتي عكس غناء الطنابرة، إذ يقوم بأدائه شخص واحد وبلحن بسيط، وتتناول معانيه الغزل والهجاء والشجاعة والافتخار بالقبيلة.

الانتقال من أغنية الطنبارة إلى الاغنية الجماعية:

يرجع الفضل إلى محمد ود الفكي بابكر الذي حضر إلى مدينة أم درمان حوالي العام 1900م قادما من منطقة كبوشية بشمال السودان، والتفت إليه أهل مدينة أم درمان وما يقدمه من فن جديد تعامل فيه بلغة الوسط، وهي لغة تلك المنطقة التي أتى منها في الوقت الذي لم تتفق فيه أم درمان على نوع معين من انواع الغناء بل ظل يسيطر عليها غناء الطنبارة، إضافة إلى أن كل القبائل الوافدة والتي تقطن منطقة أم درمان لا زالت تحتفظ بألسنتها وثقافتها ولهجتها.  والسبب الثاني يعود إلى أنه أتى بالقصيدة الكاملة البنيان.

يعتبر الفنان محمد احمد سرور(1901م – 1947م) أول المستفيدين من أسلوب غناء الطنبارة  ومن التراث المتنوع  بتنوع  الثقافات الفنية لأهل السودان بفروعهم وقبائلهم المتعددة ومستفيداً من الأسلوب الجديد الذى أتى به محمد ود الفكي حيث بدأ الغناء وهو في سن السابعة مقلدا له، مما ساعده في تأسيس أول مرحلة فنية في تاريخ الغناء بالسودان الحديث في عشرينيات القرن الماضي، والتي عرفت فيما بعد باسم حقيبة[3] الفن وهو نوع  من الغناء يؤديه الرجال فقط ويعتمد على المغني والشيالين (الكورس)  ومهمتهم الترديد مع المغني في شكل دائري، وتستعمل فيه بعض الآلات الايقاعية مثل الرق والمثلث وكانت ألحانه دائرية ويكون الاهتمام الأكبر بالمفردة الشعرية، وأطلقت على هذه الفترة "المدرسة الفنية الأولى"[4].

استمر الشكل الغنائي بالأسلوب الجديد لفترة يبتكر فيه الشعراء أجمل قصائد في الغزل، ويصار إلى اختيار الكلمات ذات القيم والمعاني الجيدة، وظهرت مرحلة ازدهار في تأليف الشعر والألحان ذات الصراحة في التأليف والجودة، كما زادت القدرة على النظم ذات القافية الموزونة في تأليف القصائد الغنائية، وهكذا كانت البداية الاولى لأول مدرسة فنية والتي لعبت دوراً كبيراً في تشكيل الوجدان السوداني، وزادت من وحدته، وأصبحت الأغنية تمثل مكاناً مرموقاً في شكل  المفردة ذات المضمون وسهولة اللحن، مما ساعد في انتشارها بين أفراد المجتمع، وأصبحت القصيدة تحتل الدور المهم قبل الملحن والمغني. 

 

الموسيقى العسكرية ودورها:

لعبت الموسيقى العسكرية النظامية دوراً هاماً في الارتقاء بالثقافة الموسيقية والغنائية ونشر الوعي الموسيقي بين المجتمع السوداني، وذلك منذ الربع الأول من القرن العشرين حيث بدأت بدخول الاستعمار التركي عام 1821م، وتلاه الاستعمار الإنجليزي المصري، فعرف الناس نمطاً جديداً من الموسيقى، وعرفوا الآلات الغربية مثل آلات النفخ الخشبية والنحاسية.  ومن خلال العروض التي كانت تقدمها فرق الموسيقى العسكرية في الاندية والساحات العامة، وبعد ان انقضت الثورة المهدية في مطلع القرن العشرين، شكل الانجليز جيشاً سودانياً جديداً، قسم إلى عدة اورط (كتيبة) وتتبع لكل اورطة مدرسة موسيقية تقوم بإعداد موسيقيين عسكريين يعزفون على آلات النفخ النحاسية والخشبية.

 

مرحلة دخول الالة الموسيقية:

في بداية الثلاثينات من القرن الماضي بدأ استخدام الالة الموسيقية مثل العود والاكورديون والصفارة، وبدا نوع جديد من الغناء المصاحب بالآلة الموسيقية، وأطلق على هذا النوع من الغناء (المدرسة الفنية الثانية) أو الغناء الحديث وظهر مطربون وملحنون وموسيقيون في تلك الفترة بينما ظلت مدرسة الحقبيبة[5] أو (المدرسة الفنية الأولى) محافظة على اسلوبها المتبع.

في العام 1940م أسس المستعمر الإنجليزي أول إذاعة لخدمة أغراضه العسكرية والتي أطلق عليها إذاعة أم درمان فيما بعد.  وبحلول عام 1947م، كونت الإذاعة أول فرقة موسيقية رسمية  تابعة لها  مهمتها التسجيل للمطربين، وكانت تضم آلات الكمان والأكورديون والطبلة والعود، الذي يلعب الدور الأساسي في وضع الالحان. وفيما بعد أدخلت بعض آلات النفخ الخشبية والنحاسية من افراد الجيش وظهر مطربون وملحنون اهتموا باللحن الموسيقي.  وتطورت الألحان وخرجت من اللحن الدائري إلى المقدمات واللزم الموسيقية، واستمر هذا التطور، وظهرت الأغاني التي تتعدد فيها الكوبليهات والنقلات من سلم الى سلم موسيقى اخر، واستمر هذا التطور بإدخال الآلات الكهربائية مثل الجيتار والباص جيتار والأورغن مما زاد من قوة وجمال اللحن، هذا الشكل هو الذى استمرت عليه الموسيقى السودانية إلى يومنا هذا محافظة على الطابع الخماسي، ومتميزة بالإيقاع القوى والسريع والايقاعات الراقصة.

في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي ظهر نوع وأسلوب جديد من الغناء والألحان أطلق عليه السودانيون موسيقى أو أغاني الجاز (مجازا)، وأطلق عليها الباحث (المدرسة الفنية الثالثة) والمقصود هنا تلك الفرق التي تستخدم الجيتارات والدرامز وآلات النفخ الخشبية والنحاسية، وتبنى ألحانها على إيقاع السامبا  والرومبا وبعض الايقاعات العالمية الروك أند رول المسيطرة في تلك الفترة، وتمردت على  الشكل التقليدي  المألوف المكون للفرق الموسيقية، والتي تستخدم العود والكمان والأكورديون.  وانتشرت هذه الفرقة وجذبت الشباب في ذلك الزمان.

في العام 1969م ولأول مرة، تم تأسيس المعهد العالي للموسيقى والمسرح (كلية الموسيقى والدراما حالياُ) وظلت هذه الكلية تخرج العشرات من الطلاب المتخصصين في مجال العزف والتأليف والتوزيع الموسيقي.  وابتداء من النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، ظهرت فرق موسيقية وغنائية أحدثت نقلة كبيرة في شكل الاغنية السودانية من حيث التأليف والتوزيع والتنفيذ الموسيقي المتطور والسليم، ولاقت كل القبول من المستمع السوداني، منها فرقة السمندل الموسيقية والباحث احد مؤسسيها، وفرقة عقد الجلاد الغنائية، وفرقة ساورا الغنائية، ومؤخرا كورال كلية الموسيقى والدراما.

[1] الدوبيت يماثل الموال العربي.

[2] الدلوكة آلة إيقاعية مخروطية الشكل بها فتحة كبيرة وصغيرة تجلد الفتحة الكبيرة بجلد الأغنام وتترك الفتحة الصغيرة لاستخراج الصوت

[3] قبة الفن طلقت عليها هذه التسمية لان مقدم البرنامج الاذاعى ياتى الى الإذاعة حاملا تلك الأسطوانات في حقيبة للحفاظ عليها لتم بثها في الإذاعة.

[4] أطلق التسمية المؤلف الموسيقى والناقد بروفيسور الفاتح الطاهر دياب.

[5] أطلق عليها تلك التسمية لان المذيع يأتي وهو حامل تلك الأسطوانات في الحقيبة التي يحملها لتبث في الإذاعة -

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تعنى مناهج التعليم الموسيقي في العالم العربي بما يخدم الموروث الموسيقي العربي والحفاظ عليه؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM